البارت 3
لندن — بعد أسبوعين
كان المساء قد هبط على لندن بثقله الهادئ.
الضباب ينساب بين الشوارع، ومصابيح الغاز المعلقة على الجدران تنشر دوائر صغيرة من الضوء الذهبي فوق الأرصفة المبللة.
لكن في الجهة الغربية من المدينة…
لم يكن الليل هادئًا على الإطلاق.
فقد كان قصر مونتغمري مضاءً من الداخل والخارج.
عشرات المصابيح تزين الواجهة الحجرية.
عربات فاخرة تصل تباعًا أمام الدرج الكبير.
خدم بملابس رسمية يفتحون الأبواب.
سيدات ينزلن من العربات بفساتين طويلة مزينة بالدانتيل والحرير.
ورجال ببدلات سوداء وسترات رسمية يتبادلون التحيات.
كانت الليلة هي حفلة الشتاء السنوية.
الحفلة التي يتحدث عنها مجتمع لندن منذ أسابيع.
وكان هناك سبب آخر جعلها أكثر أهمية هذا العام.
عائلة آشفورد ستأتي.
بعد سنوات طويلة من القطيعة.
لم يكن أحد يعرف سبب الخصومة الحقيقي.
أو بالأحرى…
كان الجميع يعرف قصة مختلفة.
البعض يقول إنها بدأت بسبب صفقة تجارية.
والبعض يقول إنها بسبب ميراث.
وآخرون يقسمون أن الأمر متعلق بحادثة وقعت قبل سنوات طويلة.
لكن كلما سُئل أحد أفراد العائلتين عن الحقيقة…
تغير الموضوع.
وفي هذه الليلة تحديدًا، كان الجميع ينتظر أن يرى ماذا سيحدث عندما تجتمع العائلتان تحت سقف واحد.
داخل غرفة إليانور…
كانت المعركة الحقيقية جارية.
قالت ماريان وهي تحاول تثبيت آخر دبوس في شعر إليانور:
— «توقفي عن الحركة!»
— «أنا لا أتحرك.»
— «رأسك يتحرك.»
— «لأن الدبوس يؤلمني.»
— «الجمال يتطلب التضحية.»
التفتت إليانور إلى المرآة.
— «إذن ليذهب الجمال إلى الجحيم.»
رفعت ماريان عينيها إلى السقف.
— «آنسة إليانور…»
كانت إليانور ترتدي فستانًا طويلًا بلون العاج، تتخلله تفاصيل رقيقة من الدانتيل عند الأكمام والخصر.
لم تكن تحب الفساتين الثقيلة.
ولهذا أصرت على أن يكون فستانها أبسط من المعتاد.
لكن والدتها لم توافق إلا بعد معركة استمرت يومين.
قالت إليانور وهي تنظر إلى انعكاسها:
— «أبدو كأنني ذاهبة إلى جنازة.»
— «إنها حفلة.»
— «إذن لماذا أشعر أنني ذاهبة إلى جنازتي؟»
دخلت والدتها.
— «لأنك تعرفين أنك ستقابلين آل مونتغمري.»
توقفت إليانور عن العبث بقلادتها.
— «أمي.»
— «ماذا؟»
— «لماذا لا يتحدث أحد معي بصراحة عنهم؟»
اقتربت والدتها.
— «لأن بعض الأمور أفضل حين تبقى في الماضي.»
— «هذا جواب لا يعني شيئًا.»
— «يعني الكثير.»
— «بالنسبة لكِ ربما.»
ثم استدارت إليانور.
— «لكنني سئمت من أن الجميع يتصرف وكأن اسم مونتغمري كلمة محرمة.»
تغير وجه والدتها.
— «إليانور، الليلة تحديدًا… أريد منكِ شيئًا واحدًا.»
— «ماذا؟»
— «لا تتشاجري مع أحد.»
ابتسمت إليانور.
— «هذا طلب غريب.»
— «وأعني ذلك.»
— «لن أتشاجر.»
نظرت إليها والدتها بشك.
— «حقًا؟»
— «سأحاول.»
— «إليانور.»
ضحكت.
— «حسنًا، سأكون مهذبة.»
بعد دقائق…
كانت عربات عائلة آشفورد تغادر القصر.
جلست إليانور إلى جانب والدتها.
أما والدها فكان في العربة الأخرى مع بعض الرجال.
كانت تنظر من النافذة.
لندن تمر أمامها.
المحلات مضاءة.
العربات تزدحم.
أصوات الباعة تختلط بأصوات الخيل.
ثم قالت فجأة:
— «أمي.»
— «نعم؟»
— «هل تعتقدين أنني سأجد زوجًا يومًا؟»
نظرت إليها والدتها.
— «ما هذا السؤال؟»
— «فضول.»
— «أنتِ في التاسعة عشرة.»
— «وهذا هو العمر الذي تبدأ فيه العائلات بإلقاء الفتيات على أول رجل غني يظهر أمامهن.»
ضحكت أمها رغما عنها.
— «لا أحد سيلقيكِ على أحد.»
— «أبي سيفعل.»
— «والدك يريد مصلحتك.»
— «والدي يريد أن أرتدي فستانًا وأبتسم عندما يتحدث الرجال.»
ثم نظرت إلى أمها.
— «وأنا لا أجيد الابتسام عندما أكون غاضبة.»
قالت والدتها:
— «إذن لا تغضبي.»
— «هذه نصيحة عظيمة.»
وصلت العربات إلى قصر مونتغمري.
وفور نزول إليانور…
شعرت بشيء غريب.
كل العيون تقريبًا اتجهت إليها.
لم يكن الأمر لأنها ابنة آشفورد فقط.
بل لأن الجميع كان ينتظر كيف ستتصرف.
سمعت همسة من إحدى السيدات:
— «إنها هي.»
وأخرى:
— «يقولون إنها متمردة.»
وثالثة:
— «لا تبدو كذلك.»
رفعت إليانور حاجبها.
ثم قالت بصوت منخفض لأمها:
— «هل أستدير وألوح لهم؟»
— «لا.»
— «كنت سأفعل.»
— «أعرف.»
صعدت الدرج.
وعند المدخل وقف المضيف.
اللورد مونتغمري.
رجل طويل، في الخمسينيات، يحمل نفس الملامح الحادة التي ورثها ابنه.
صافح والد إليانور.
قال:
— «اللورد آشفورد.»
— «اللورد مونتغمري.»
ابتسامتان رسميتان.
لا دفء.
لا ترحيب حقيقي.
مجرد أدب.
ثم اقتربت إليانور.
نظر إليها اللورد مونتغمري للحظة.
— «آنسة آشفورد.»
انحنت قليلًا.
— «اللورد مونتغمري.»
قال والدها بسرعة:
— «إليانور، اذهبي إلى والدتك.»
لكن قبل أن تتحرك…
جاء صوت من الخلف:
— «اتركها يا عمي.»
التفتت.
كان إدوارد.
يرتدي بدلة سوداء رسمية، وربطة عنق داكنة، وشعره مرتب بعناية.
كان يبدو مختلفًا عن الرجل الذي قابلته في متجر الكتب.
أكثر هدوءًا.
أكثر هيبة.
لكن ابتسامته الساخرة كانت نفسها.
قال:
— «أعتقد أنها قادرة على الوقوف وحدها.»
نظرت إليه إليانور.
— «وأعتقد أنني لم أطلب مساعدتك.»
— «كنت أساعد والدك.»
— «والدي لم يطلب مساعدتك أيضًا.»
اختنق توماس، الذي كان يقف خلف إدوارد، من الضحك.
أخفى ضحكته بسرعة.
أما والد إليانور…
فنظر إلى إدوارد نظرة لم تكن ودية إطلاقًا.
قال:
— «مونتغمري.»
— «آشفورد.»
ثم أخذ والد إليانور ابنته من ذراعها برفق.
— «تعالي.»
همست وهي تسير:
— «لماذا أشعر أنني دخلت إلى معركة؟»
أجابها والدها:
— «لأنك دخلتِ إليها.»
داخل قاعة الحفل…
كان المشهد أشبه بلوحة.
ثريات ضخمة تتدلى من السقف.
موسيقى هادئة تعزفها فرقة صغيرة في زاوية القاعة.
سيدات يتحدثن في مجموعات.
رجال يقفون حول الطاولات.
وأطباق كثيرة مرتبة بعناية.
كانت إليانور تقف مع مجموعة من الفتيات اللواتي تعرفهن.
صوفيا بيل، أقرب صديقاتها، فتاة مرحة كثيرة الكلام.
كلارا هارت، أكثر هدوءًا واتزانًا.
وإيميلي روس، التي لا تستطيع مقاومة أي فضول.
قالت صوفيا:
— «أخبريني أنكِ لاحظتِ.»
— «لاحظت ماذا؟»
— «إدوارد مونتغمري.
يتبع......


6
3 comentarios
