كانت لندن في ذلك الصباح مغطاة بضباب شتوي كثيف.
ضباب يلتف حول أعمدة الإنارة القديمة، ويتسلل بين عجلات العربات التي تعبر الشوارع الحجرية، بينما كانت أصوات حوافر الخيل تتردد في أرجاء المدينة كإيقاع ثابت لا يتوقف.
وفي أحد أرقى أحياء لندن، خلف بوابة حديدية سوداء تتوسطها شارة عائلة آشفورد، كان قصر ضخم يقف شامخًا وسط حدائق واسعة.
قصر من الحجر الرمادي.
نوافذه طويلة تحيط بها إطارات بيضاء.
سلالم رخامية عند المدخل.
وحدائق مرتبة بعناية لا يُسمح لورقة واحدة أن تبقى ساقطة على العشب أكثر مما ينبغي.
كان كل شيء في قصر آشفورد مثاليًا.
إلا…
غرفة واحدة في الطابق الثاني.
كان بابها مفتوحًا.
وصوت صراخ امرأة مسنّة يخرج منها.
— «آنسة إليانور!»
لم يجبها أحد.
— «آنسة إليانور، أقسم أنني سأفقد صوابي بسببكِ!»
صمت.
ثم جاء صوت من خلف الستارة:
— «لا أظن أن فقدان الصواب سببه أنا يا ماريان.»
توقفت الخادمة.
رفعت حاجبًا.
— «أين أنتِ؟»
— «في مكان آمن.»
— «هذا ما تخشينه أنتِ من أن يعرفه والدكِ، أليس كذلك؟»
ضحكة مكتومة.
اقتربت ماريان من النافذة.
سحبت الستارة بعنف.
لا أحد.
فتحت الخزانة.
فارغة.
نظرت تحت السرير.
لا أحد.
ثم التفتت إلى النافذة.
وهناك…
كانت إليانور آشفورد.
واقفة فوق حافة النافذة الخارجية.
ترتدي فستانًا صباحيًا بلون أزرق باهت، وقد رفعت تنورتها قليلًا حتى لا تعيق حركتها، بينما كانت إحدى يديها تمسك بالحبل الذي صنعته من أغطية السرير.
حدقت ماريان بها.
ثم وضعت يدها على صدرها.
— «يا إلهي.»
ابتسمت إليانور.
— «صباح الخير.»
— «انزلي.»
— «لا.»
— «إليانور.»
— «ماريان.»
— «والدكِ ينتظركِ منذ نصف ساعة!»
— «دعيه ينتظر.»
شهقت الخادمة.
— «إنها حفلة الشاي التي أقامها اللورد آشفورد اليوم!»
— «أعرف.»
— «وسيكون فيها عائلة مونتغمري.»
اختفت الابتسامة من وجه إليانور.
— «آه.»
صمتت لحظة.
ثم قالت:
— «لهذا السبب تحديدًا لن أحضر.»
اقتربت ماريان من النافذة.
— «إنها مناسبة اجتماعية محترمة، وكل عائلات الطبقة الراقية ستكون هناك.»
— «ممتاز.»
— «والدكِ يريدكِ أن تتصرفي بأدب.»
— «مستحيل.»
— «وأن تجلسي بهدوء.»
— «أكثر استحالة.»
— «وأن تتحدثي بطريقة لائقة.»
ابتسمت إليانور.
— «هذه الثالثة أستطيع تنفيذها.»
تنفست ماريان براحة.
ثم أضافت إليانور:
— «لكنني لن أفعل.»
أغمضت ماريان عينيها.
— «يا رب أعطني صبرًا.»
قفزت إليانور من النافذة إلى الشرفة الصغيرة في الطابق الأدنى.
— «إليانور!»
لوّحت لها بيدها.
— «إذا سأل أبي عني…»
— «ماذا أقول؟»
ابتسمت.
— «قولي له الحقيقة.»
— «وما هي؟»
— «إن ابنته المحترمة جدًا خرجت لتتنفس.»
ثم اختفت.
في الجهة الأخرى من القصر، كان اللورد آشفورد يقف في غرفة الطعام الكبرى.
رجل في أواخر الأربعينيات.
شعر داكن بدأ الشيب يظهر عند جانبيه.
هيبة واضحة.
ملامح صارمة.
وهدوء يخشاه الجميع.
إلا ابنته.
كان ينظر إلى الساعة للمرة الخامسة.
قال:
— «أين إليانور؟»
وقفت زوجته بجانبه.
— «في غرفتها.»
— «مضى نصف ساعة.»
— «ربما تستعد.»
رفع عينيه إليها.
— «إليانور لا تحتاج إلى نصف ساعة لتستعد.»
ترددت.
ثم قالت:
— «ربما أكثر.»
نظر إليها.
فقالت بسرعة:
— «أقصد… إن الفساتين النسائية معقدة.»
دخل كبير الخدم.
انحنى.
— «سيدي.»
— «أين ابنتي؟»
صمت الرجل.
فهم اللورد آشفورد.
— «قل.»
— «الآنسة إليانور… ليست في غرفتها.»
أغمض اللورد عينيه.
— «بالطبع.»
بعد عشرين دقيقة…
كانت إليانور تسير في أحد شوارع لندن.
بلا مرافقة.
بلا قبعة مناسبة.
وبفستانها الأزرق الذي لم يكن مصممًا للمشي لمسافات طويلة.
كان هذا وحده كافيًا ليجعل أي سيدة من الطبقة الأرستقراطية تفقد أعصابها.
لكن إليانور لم تهتم.
كانت تحمل كتابًا تحت ذراعها، وتتوقف بين لحظة وأخرى أمام واجهات المتاجر.
ثم دخلت متجر كتب صغير.
رن الجرس فوق الباب.
رفع صاحب المتجر رأسه.
ابتسم.
— «آنسة آشفورد.»
— «صباح الخير يا سيد هاربر.»
— «والدك يعرف أنك هنا؟»
نظرت إليه.
— «هل يبدو عليك أنك تريد أن تعيش طويلًا؟»
ضحك.
— «بالتأكيد.»
— «إذن لا تسأل.»
أشار إلى رف جانبي.
— «وصلت كتب جديدة.»
اقتربت منه بحماس.
وبينما كانت تبحث…
مرّت عربة سوداء فاخرة أمام المتجر.
توقفت.
نزل منها شاب طويل القامة.
معطف أسود.
قفازات جلدية.
شعر بني داكن مرتب بعناية.
كان يحمل عصاه بيد واحدة، ويتحدث إلى رجل آخر يقف بجانبه.
دخل الرجلان المتجر.
لم تلتفت إليهما إليانور.
لكن الشاب التفت إليها.
توقفت عيناه عند الفتاة الواقفة بين رفوف الكتب.
ثم قال لصديقه:
— «هذه ليست…»
قاطعه الآخر:
— «بلى.»
— «إليانور آشفورد؟»
— «نعم.»
ابتسم الشاب.
— «ألم تكن عائلة آشفورد تمنع نساءها من التجول وحدهن؟»
أغلقت إليانور الكتاب.
من دون أن تلتفت إليه قالت:
— «يبدو أن العائلة لم تخبرني.»
رفع الشاب حاجبه.
التفتت إليه أخيرًا.
تلاقت عيناهما.
لحظة قصيرة.
لكنها كانت كافية.
قال:
— «يبدو أنكِ تسمعين ما لا يقال لكِ.»
أجابته:
— «وأنت يبدو أنك تقول ما لا يعنيك.»
ابتسم.
— «أحيانًا.»
— «هذه عادة سيئة.»
— «وأنتِ؟»
— «لدي عادات أسوأ.»
تدخل صديقه وهو يضحك:
— «أظن أنكما ستتفقان بسرعة.»
التفت الاثنان إليه في اللحظة نفسها.
— «مستحيل.»
ضحك الرجل.
أما الشاب…
فلم يبعد عينيه عن إليانور.
ثم قال:
— «أنا إدوارد مونتغمري.»
سكتت إليانور.
اسم العائلة وحده جعلها تعرف من يكون.
مونتغمري.
العائلة التي لم تدخل قصر آشفورد منذ سنوات.
العائلة التي لا تتحدث عنها أمها إلا بنبرة متوترة.
العائلة التي كانت بينها وبين آل آشفورد خصومة قديمة لم تفهم إليانور سببها يومًا.
نظرت إليه.
ثم قالت:
— «عرفتك.»
— «وأنا لم أتشرف بعد بمعرفة رأيكِ بي.»
— «لا تقلق.»
أعادت الكتاب إلى مكانه.
— «لم آخذ وقتًا كافيًا لتكوين رأي.»
ضحك صديقه بصوت مرتفع.
أما إدوارد…
فضحك رغمًا عنه.
ثم قال:
— «أظن أنكِ خطرة.»
رفعت إليانور كتفها.
— «وأظن أنك تتحدث كثيرًا.»
ثم خرجت.
ظل إدوارد ينظر إلى الباب بعد خروجها.
اقترب منه صديقه.
— «لا تقل لي إنك أعجبت بها.»
نظر إليه إدوارد باستغراب.
— «أنا؟»
— «نعم، أنت.»
يتبع


6
コメント 2件
