لستُ كما كنت ولا كما أردتُ أن أكون، بل شيء بين الاثنين يتشكل بصمت كلما انعكست صورتي في مرآة لم أضعها بنفسي، لا أدري إن كنت أنا من يختار ملامحه، أم أن الأيام تنحتها على وجهي بما يناسب تقلباتها. و هذا قادني الي استنتاجٍ ضمنيٍ أخر.. أن الهوية ليست قناعاً نرتديه عن وعي بل أثر يتكون من كل ما لم ننتبه إليه: نظرة مرّت ولم تُفسَّر، جرح لم يُعلن عن نفسه، قرار صغير بدّل مساراً بأكمله.
كل ما كنت أظنه ثابتاً، صار في داخلي متغيراً هشاً. والكلمات التي سابقاً دافعتُ عنها كثيراً ، أفلتها الآن دون أسف، والمبادئ التي ظننتُها أصلب من الزمن بدأتُ أراها تتآكل تحت ضوء التجربة. ليس خيانة للذات، بل نُضجاً مُرهقاً... أن تفهم أن الحقيقة لا تُقال دفعة واحدة، وأن الوضوح التام ليس دائماً فضيلة، بل قد يهدم البناء الوهمي الذي صاغته الذات لتحمي نفسها من الاضطراب.
أنا الآن أراقب نفسي كما يُراقب أحدهم نهر تغيّر مجراه، لا ألومه ولا أحاول جره إلى مجراه القديم. فقط أريد أن أتعلم كيف أحبّ هذه السيولة، هذا التبدّل، هذا الارتباك الشريف الذي لا يدّعي الثبات ولا يخاف من السؤال.


30
2 commentaires
