Comunidad
ᖇᥲꫝᥱᠻ ֪ ꪆৎ @Xx_R_Xx ·
أَثَرُ مَا لَمْ نَقُلْهُ ثَمّةَ كلماتٌ تُولدُ على شَفَةِ البوح، ثمّ ترتدُّ إلى أعماقِنا قبل أن تجدَ سبيلَها إلى النور؛ كأنَّ في الحنجرةِ حارسًا أمينًا يُمسكُ بمفاتيحِ الكلام، فلا يفتحُ بابَهُ إلا لما يستحقُّ العبور. وما أكثرَ ما حسبنا الصمتَ خواءً، وهو في الحقيقةِ بحرٌ مكتنزٌ بما لا تُحيطُ به العبارة؛ تهدأُ أمواجُهُ على ملامحِنا، بينما تضطربُ أعماقُهُ بما يشبهُ عاصفةً لا تُرى. يعتادُ الإنسانُ أن يُخفيَ ما يعصفُ في صدرِه خلفَ هيئةٍ ساكنة، فيمضي بين الناسِ بوجهٍ لا يفضحُ شيئًا، كأنَّهُ صفحةُ ماءٍ لم تمسَسْها ريح. غيرَ أنَّ للروحِ شقوقًا دقيقةً تتسرّبُ منها الحكايات؛ نظرةٌ شاردة، تنهيدةٌ مبتورة، أو صمتٌ يطولُ أكثرَ مما ينبغي. وحينها يصبحُ الجسدُ كتابًا مفتوحًا لمن يُحسنُ القراءةَ بين السطور، حتى وإن أصرَّ صاحبُهُ على إخفاءِ الحروف. وليس كلُّ ما نكتمُهُ وهنًا، كما أنَّ كلَّ ما نقولهُ ليس شجاعة. فربَّ كلمةٍ أُطلقتْ في ساعةِ غضبٍ كانت كالسهم؛ يخرجُ من القوسِ لحظةً، لكنَّ أثرَهُ قد يستوطنُ القلبَ أعوامًا. وربَّ صمتٍ ظُنَّ جبنًا كان في حقيقتهِ ضربًا من ضروبِ التجلّد؛ أن تعرفَ أنَّك قادرٌ على الكلام، ثم تختارَ الصمتَ لأنَّك أدركتَ أنَّ بعضَ الحقائقِ حين تُلقى في غيرِ موضعِها تتحوّلُ من نورٍ يهدي إلى نارٍ تحرق. ومع مرورِ الأيام، تتبدّلُ علاقتُنا بما أخفيناه. ما كانَ في الأمسِ جرحًا نازفًا يغدو ندبةً تستدعي الذاكرةَ ولا تستدعي الألمَ بالضرورة، وما كانَ سؤالًا ينهشُ اليقينَ قد يصيرُ درسًا يستقرُّ في موضعِه كحجرِ الأساس. عندها نفهمُ أنَّ الزمنَ لا يمحو آثارَ الأشياءِ كما نمحو الكتابةَ من صفحةٍ بيضاء، بل يعيدُ ترتيبَها في داخلِنا؛ يخفّفُ حدّتَها، ويمنحُها معنىً لم نكن نملكُهُ يومَ كانت الحكايةُ لا تزالُ طريّةً. وأحيانًا، لا يعودُ ما لم نقُلْهُ لأنَّهُ يريدُ أن يؤلمَنا، بل لأنَّ النفسَ لم تُتمَّ مصالحتَها معه. يعودُ في غفلةٍ من ازدحامِ النهار، حين يسكنُ كلُّ شيءٍ من حولِنا، فتفتحُ الذاكرةُ خزائنَها القديمةَ وتضعُ أمامَنا ما حسبناهُ قد اندثر. غيرَ أنَّ مواجهةَ الماضي لا تعني الارتهانَ له؛ فالمرءُ يستطيعُ أن ينظرَ إلى أطلالِ ما مضى دونَ أن يبنيَ خيمتَهُ بينها، وأن يعترفَ بما حدثَ دونَ أن يجعلَهُ قدرًا أبديًّا. ولعلَّ أشدَّ ما في النضجِ وطأةً أن تتعلّمَ أنَّ بعضَ الأبوابِ لا تُغلقُ بضجّة، بل تُتركُ خلفَك بهدوءٍ يشبهُ الوداعَ الذي لم يُعلن. تمضي، وفي قلبِك بقايا أسئلةٍ لم تجدْ لها جوابًا، لكنَّك لا تعودُ تُبدّدُ عمركَ في مطاردتِها. فقد أدركتَ أنَّ الحقيقةَ ليست دائمًا في معرفةِ كلِّ شيء، وأنَّ بعضَ المجهولِ أرحمُ من يقينٍ يُعيدُ فتحَ جرحٍ أحسنتَ دفنَه. وهكذا تبقى الكلماتُ التي لم تُقَلْ جزءًا خفيًّا من سيرةِ الإنسان؛ لا تُرى، لكنَّها تُسهمُ في صياغةِ ملامحِه. منها ما علّمَهُ الصبر، ومنها ما أورثَهُ الحذر، ومنها ما انتزعَ من قلبِه سذاجةً قديمةً وتركَ مكانَها بصيرةً أكثرَ رسوخًا. وربما لم تكنْ بعضُ النهاياتِ انكسارًا، بل كانتْ اقتلاعًا هادئًا لجذرٍ لم يعدْ صالحًا للبقاء. وفي آخرِ المطاف، لا يحتاجُ المرءُ أن يقولَ كلَّ ما في صدرِه كي يُثبتَ صدقَه، ولا أن يفسّرَ كلَّ صمتٍ كي يُثبتَ براءتَه. يكفي أحيانًا أن يعرفَ نفسه، وأن يضعَ لكلِّ شعورٍ موضعَه، ثم يمضي خفيفَ الروح، تاركًا خلفَه ما عجزَ عن حملِه طويلًا. فبعضُ الحكاياتِ لا تُختَمُ بنقطة، بل تُتركُ معلّقةً في هامشِ الذاكرة؛ ومع ذلك، يكونُ صاحبُها قد تعلّمَ كيف يطوي الصفحةَ دونَ أن يمزّقَ الكتاب. !(#Animeista) #Luna_Artix ────────── !(#سل_قلمك) #محبرة_كاتب !(#كتابات_luna_artix )
33 7 comentarios