لم تكن السماءُ في ذلك اليوم تشبه السماء التي أعرفها، كانت رماديّةً على نحوٍ يوحي بأنّ العالم نفسه تعب من تكرار المآسي، والرياح تمرّ بين الجدران كأنّها تهمس بأسماء الذين رحلوا. كنتُ أقف فوق سور ماريا، أراقب الفراغ الممتد خلف الأسوار، حين وجدتُ الورقة. لم تكن رسالةً عاديّة، بل بدت كأنّها نجت من زمنٍ آخر، أطرافها محترقة، وحبرها باهت، لكنّ جملةً واحدة كُتبت في منتصفها بوضوحٍ مرعب: "أنتَ السبب."
تجمّد بصري طويلًا عند تلك الكلمات، شعرتُ وكأنّ أحدهم انتزع الهواء من حولي دفعةً واحدة. كيف أكون السبب؟ السبب في ماذا؟ في سقوط الجدار؟ في موت أمي؟ في كل تلك الصرخات التي ما زالت تسكن رأسي كل ليلة؟ حاولتُ أن أمزّق الرسالة، لكنّ يدي ارتجفت، ليس خوفًا… بل لأنّ شيئًا داخلي أخبرني أنّ هذه الكلمات ليست كذبًا.
منذ طفولتي وأنا أظنّ أنّ العمالقة هم العدو، أنّ الشرّ شيءٌ واضح يمكن قتله بالسيوف، لكن كلّما تقدّمتُ في الطريق، اكتشفتُ أنّ الحقيقة أكثر قسوةً من ذلك. البشر يقتلون كما يقتل العمالقة، والخوف يصنع وحوشًا أحيانًا أشدّ من الوحوش نفسها. كنتُ أبحث عن الحرية طوال حياتي، لكن ماذا لو كانت الحرية التي أريدها ستجعل العالم كلّه يختنق؟
أعدتُ قراءة الرسالة مرارًا، وفي كل مرة كانت الكلمات تبدو أثقل، كأنّها لا تتهمني بالماضي… بل بالمستقبل أيضًا. شعرتُ للحظة أنّ الزمن ليس خطًّا مستقيمًا، بل دائرة مغلقة، وأنّ الإنسان مهما حاول الهرب من قدره يعود إليه بطريقةٍ ما. ربما لهذا السبب كان الخوف الحقيقي ليس في معرفة النهاية، بل في معرفة أنّك تسير نحوها رغم كل شيء.
تساءلتُ طويلًا:
هل أغيّر المستقبل إن كنت أعرفه؟
أم أنّ معرفتي به هي التي ستقودني إليه؟
كانت هذه الفكرة أشدّ رعبًا من العمالقة أنفسهم. لأنّ العدو الذي يمكن قتله أهون من فكرةٍ تسكن عقلك ولا تستطيع النجاة منها. لأول مرة أدركتُ أنّ الإنسان لا يخاف الموت فعلًا، بل يخاف أن يتحوّل إلى سببٍ في موت الآخرين.
نظرتُ إلى المدينة خلفي، إلى الأطفال الذين يركضون وهم يظنون أنّ الأسوار ستحميهم للأبد، إلى الجنود الذين يضحكون رغم أنّهم قد يموتون غدًا، وفهمتُ شيئًا مؤلمًا… البشر يعيشون لأنّهم يجهلون ما ينتظرهم، ولو عرف الجميع نهاياتهم لفقد العالم قدرته على الاستمرار. الجهل أحيانًا رحمة، والحقيقة ليست دائمًا خلاصًا.
لكنّي… لم أستطع تجاهل الرسالة.
بدأتُ أراقب كل شيء بعينٍ مختلفة، كل قرارٍ أتّخذه صار يبدو كخطوةٍ نحو كارثة لا أفهمها بعد، وكل شخصٍ أقترب منه أشعر أنّني أقرّبه من هاويةٍ ما. حتى أصدقائي، أولئك الذين كنتُ أقاتل لأجلهم، بدأتُ أخاف منهم عليهم لا عليهم معي. ماذا لو كنتُ أنا النهاية التي ستحطمهم؟ ماذا لو كانت الحرية التي أحلم بها ستُبنى فوق جثثهم؟
وفي تلك الليلة، حين وقفتُ وحيدًا تحت السماء، أدركتُ حقيقةً لم أفهمها من قبل…
أنّ الإنسان لا يُختبر حين يُمنح القوّة، بل حين يُمنح الحقيقة.
القوة قد تصنع وحشًا، أمّا الحقيقة فقد تصنع شخصًا مستعدًّا لتحطيم نفسه من أجل الآخرين. وربما لهذا السبب بدت الرسالة كأنّها لعنة؛ لأنّها لم تمنحني جوابًا، بل منحتني وعيًا لا يمكن الهرب منه.
ومع ذلك… لو عاد بي الزمن، هل كنتُ سأختار طريقًا آخر؟
لا أعلم.
لأنّ بعض الطرق، مهما كانت مليئةً بالدماء، تصبح جزءًا من روحك، والإنسان لا يستطيع الهرب من نفسه مهما ركض. وربما كانت المأساة الحقيقية ليست في أن تصبح سببًا لنهاية العالم… بل في أن تدرك هذا مبكرًا، ثم تواصل السير رغم ذلك، لأنّك لم تعد تعرف كيف تتوقف.
══════シ♤♤シ══════
𝑨𝒏𝒊𝒎𝒆 : Attack on Titan
𝑪𝒉𝒂𝒓𝒂𝒄𝒕𝒆𝒓 : Eren Yeager
══════シ♤♤シ══════


51
72 commentaires
