Comunidad
𝑰𝒏𝒌𝒃𝒐𝒖𝒏𝒅 @Illusions ·
"ماذا نودع حين نقول وداعا "؟ ما كان الوداع يوما كلمة تُقال أولئك الذين خرجت كلمة الوداع من أفواههم وبقيت قلوبهم عند الباب وما أقسى أن تقول اذهب وأنت في داخلك تقول عُد وما أكثر الوداعات التي لم تكن نهاية بل انتظارا طويلا متنكرا في هيئة فراق ولعل الإنسان حين يودع لا يكون قد ودع من أمامه وحده بل يكون قد وقف بين شيئين أحدهما يطلب منه أن يمضي والأخر يشده إلى ما كان فتبقى قدماه مع الطريق ويبقى قلبه عند العتبة ولهذا كانت الوداعات أثقل على من لم يتعلم قلبه كيف يترك ما أحب ولكن ما هو الوداع؟ هل هو أن يرحل شخص عنك؟ أم أن الوداع في حقيقته هو اللحظة التي نعترف فيها بعجزنا عن إبقاء من نحب قريبا منا؟ لعل الوداع ليس رحيل الجسد بقدر ما هو اعتراف بالعجز عن منعه ولعلنا حين نقول وداعا لا نودع الإنسان نفسه بل نودع صورته التي اعتدنا وجودها أمامنا فالذي يؤلمنا في الرحيل ليس غياب الشخص وحده بل سقوط الهيئة التي اعتدنا أن نراه بها الصوت الذي كان يأتي من قريب يصبح ذكرى والصورة التي كانت تسكن العين تصير محفوظة في الذاكرة والمكان الذي كان يعرف خطاه يبقى كما هو لكننا لا نراه كما كنا نراه من قبل وكأن الراحل لا يترك خلفه فراغا في المكان فحسب بل يغير معنى المكان كله فالوداع عندي ليس نهاية ولا انقطاعا وإنما هو اسم نطلقه على الغياب حين لا نعرف ماذا نسمي ما بعده فماذا نودع حين نقول وداعا؟ الجسد أم الروح؟ الكلام أم الصمت؟ المكان أم الأثر؟ الحضور أم الذكرى؟ وهل نستطيع حقا أن نودع شيئا دخل فينا حتى صار جزءا منا؟ لعل هذه هي حيرة الوداع أننا نملك اسمه ولا نملك حقيقته نعرف كيف نقول وداعا لكننا لا نعرف أين تنتهي الأشياء التي نودعها فالجسد له طريق يمكن أن يبتعد فيه والمكان له باب يمكن أن يُغلق أما الأثر فلا طريق له حتى يرحل ولا باب له حتى يُغلق نقول وداعا ونحسب أن كل شيء انتهى عند آخر كلمة ثم يغلبنا الشوق فننتظر ونذكر ونبني أملا بلقاء آخر فلو كان الوداع نهاية حقا فلماذا يبقى الغائب حاضرا؟ ولماذا يأتي اسمه دون موعد؟ ولماذا تحفظ الذاكرة ما نحاول نحن أن ننساه؟ ولماذا تبقى الروح معلقة بشيء يفترض أننا ودعناه؟ لو كان الغياب يمحو ما قبله لما بقي للأثر سلطان ولما عاد الماضي في هيئة خاطر عابر ولما كان لمكان خالٍ قدرة على أن يوقظ في النفس حديثا ظننا أننا دفناه منذ سنين فالغياب قد يبعد الشيء عن العين لكنه لا يملك دائما أن يبعده عن المعنى وربما لهذا لا يكون الشوق دليلا على ضعف الإنسان كما يظن بعضهم بل دليلا على أن ما كان بيننا وبين الغائب لم يكن قائما على حضوره وحده فحين يغيب الجسد يبدأ الأثر في الظهور وكأن الغياب يزيح ستارا عن أشياء لم نكن نراها ونحن قريبون لعلنا لا نودع من نحب بل نودع قدرتنا على رؤيتهم كما كنا نراهم نودع صوتا اعتدناه ووجها كان قريبا ويدا كانت تمتد إلينا أما الروح فلا أعرف كيف نودعها وهي لا تسكن مكانا حتى ترحل منه ولا تعرف مسافة حتى تفصلنا عنها فالروح ليست كالجسد تحكمها الجهات ولا تقف عند حدود الطريق وما كان موضعه في الروح لا يخرج منها بمجرد أن يبتعد صاحبه فكأن للروح مواضع لا تعرفها الخرائط وللذكرى أبوابا لا تفتحها المفاتيح ولهذا لا أرى في الوداع وداعا إلا للجسد حين يغيب وللكلام حين ينقطع أما ما تركه الإنسان فينا فلا يرحل معه فبعض الأشخاص يغيبون عن أعيننا ويزداد حضورهم فينا وبعضهم يبقون أمامنا ولا يبقى منهم فينا شيء فليس كل قرب حضورا وليس كل بُعد غيابا قد يكون الرجل إلى جوارك ولا تبلغ منه روحه شيئا وقد يكون بعيدا عنك فتجد أثره في أبسط الأشياء من حولك حتى ليخيل إليك أن الغياب مكان والحضور معنى وأن المسافة لا تُقاس بما بين الأجساد بل بما بين الأرواح وهنا يصبح الوداع شيئا آخر فلا نعود نسأل أين ذهب من رحل؟ بل نسأل ماذا أبقى فينا بعد رحيله؟ وما الذي جعل غيابه لا يشبه غياب غيره؟ ولماذا يمر بعض الناس في حياتنا كالعابر في الرمل ثم تذروهم الريح بينما يترك آخرون فينا أثرا لا تقدر عليه السنون؟ وحتى الموت الذي نظنه أعظم الوداعات ليس عند من يؤمن بالله نهاية بل عبور من دار إلى دار وفراق للجسد لا للروح وغياب عن الدنيا لا عن الوعد فكيف نسمي الموت وداعا وهو في إيماننا يحمل موعدا بلقاء آخر لقاء لا تمنعه المسافات ولا يقطعه الغياب؟ فالموت عند المؤمن ليس عدما يبتلع من نحب وإنما باب لا نرى ما وراءه ولكننا نؤمن بما وراءه وليس كل ما غاب عن العين قد غاب عن الحقيقة فالإنسان لا يرى من الطريق إلا موضع قدمه ولا يرى آخره حتى يبلغ منتهاه ومن هنا يختلف معنى الوداع باختلاف ما نؤمن به فإذا كان الفناء آخر الأمر صار الوداع خاتمة لا بعدها شيء أما إذا كان وراء الحياة حياة أخرى صار الفراق فاصلا بين لقاءين وصار الموت غيابا عن دار نعرفها وانتقالا إلى دار وعدنا الله بها فما دام للروح بقاء وللذكرى أثر وللموت لقاء في الآخرة فما الذي نودعه حقا؟ ربما نودع اللحظة فقط ونمضي ونحن نظن أننا ودعنا الحكاية كلها ربما نودع صورة من صور الحضور لا الحضور نفسه نودع مجلسا لا الذكرى ومكانا لا الأثر وصوتا لا المعنى ونحسب أننا حين أغلقنا الباب خلف الراحل أغلقنا معه كل ما بيننا وبينه وما علمنا أن بعض الأبواب إذا أُغلقت في الخارج بقيت مفتوحة في الداخل ولذلك لا أقول وداعا لمن رحل بل أقول إلى لقاء. لأن بعض الغياب ليس نهاية وبعض الفراق ليس انقطاعا وربما كانت كلمة وداع مجرد اسم اخترعناه للانتظار حين يطول جدا حتى نظنه نهاية #حبر_المشاعر #سل_قلمك #حبر_وجيف
19 4 comentarios