!(الأنمي الذي أعاد إليَّ شيئًا مني)
لم أكن أظن أن عملًا شاهدته على هيئة رسوم متحركة يمكن أن يترك في داخلي كل هذا الأثر.
كنت أظن أنني سأشاهد البؤساء كما أشاهد غيره؛ بضعة حلقات تمر أمامي، أحداث وشخصيات، لحظات جميلة وأخرى حزينة، ثم ينتهي الأمر كما تنتهي أشياء كثيرة مررنا بها دون أن تترك وراءها سوى ذكرى عابرة.
لكنني كنت مخطئة.
منذ الحلقات الأولى، شعرت أن هذا العمل لا يحاول أن يروي لي قصةً فحسب، بل كان يأخذني بهدوء إلى عالمٍ آخر؛ عالمٍ لا يشبه عالمي، ومع ذلك وجدت فيه مشاعر أعرفها جيدًا.
«!(البؤساء)».
عنوانٌ يبدو ثقيلًا منذ الوهلة الأولى، وكأن الحزن قد اختار لنفسه اسمًا قبل أن تبدأ الحكاية. وربما لهذا السبب لم أتوقع أن أتعلق به إلى هذه الدرجة.
كانت هناك كوزيت الصغيرة، بكل ما تحمله طفولتها من براءةٍ وضعف، تمضي في عالمٍ لم يكن رحيمًا بها كما ينبغي. وكنت كلما رأيتها، أشعر أن العمل لا يحاول أن يجعلني أشفق عليها فقط، بل يريد مني أن أفهم شيئًا أعمق؛ أن أرى كيف يمكن للإنسان، رغم قسوة الأيام، أن يحتفظ بجزءٍ من النور داخله.
وكلما تقدمت في الحلقات، وجدت نفسي لا أتابع الأحداث وحدها، بل أراقب الشخصيات وهي تتغير أمامي.
كيف يمكن للحزن أن يصنع إنسانًا؟
وكيف يمكن للرحمة أن تنقذ إنسانًا آخر؟
وكيف يستطيع شخصٌ واحد، في لحظةٍ واحدة، أن يغير حياة شخصٍ لم يكن يعرف إلى أين يمضي؟
ربما كانت هذه هي الأشياء التي جعلتني أتعلق بـ«البؤساء» أكثر مما توقعت.
لم يكن الأمر متعلقًا بالمأساة وحدها، ولا بالشخصيات وحدها، بل بذلك الشعور الغريب الذي يرافقك وأنت تشاهد؛ شعور أنك لا تعرف لماذا يؤثر فيك المشهد، لكنك تعرف أنك لن تمر عليه كما مررت على غيره.
ولأنني أحب الكتابة، لم أستطع أن أشاهد هذا الأنمي بعين المتابعة وحدها.
كنت أشاهده بعينين؛ عينٍ تتابع كوزيت وتخاف عليها، وتفرح لأجلها، وتحزن معها، وعينٍ أخرى تقف قليلًا خلف الأحداث، تتأمل كيف استطاع هذا العمل أن يجعلني أشعر بكل ذلك.
كيف جعلوا طفلةً صغيرة شخصيةً لا أنساها؟
كيف جعلوا الحزن حاضرًا دون أن يصبح مجرد حزن؟
وكيف استطاعت الأحداث البطيئة أحيانًا أن تجعلني أرغب في معرفة ما سيأتي بعدها؟
كنت أراقب التفاصيل، وأفكر في الكتابة.
أفكر في الشخصيات التي أكتبها أنا، وفي القصص التي أحاول أن أصنعها، وفي ذلك السؤال الذي لا يفارقني كلما شاهدت عملًا أثر فيَّ:
كيف أكتب شيئًا يستطيع أن يبقى في قلب شخصٍ آخر؟
ربما لهذا لم يكن «البؤساء» مجرد أنمي بالنسبة إليّ.
كان تذكيرًا.
تذكيرًا بأن القصة لا تحتاج دائمًا إلى أحداثٍ ضخمة كي تؤثر فينا، وأن الشخصية لا تحتاج إلى أن تكون خارقة كي نحبها، وأن أكثر الحكايات قدرةً على البقاء هي تلك التي تجعلنا نرى أنفسنا، ولو قليلًا، بين سطورها أو خلف مشاهدها.
وأنا أشاهد «البؤساء»، شعرت أن شيئًا بداخلي عاد إلى الحياة.
ذلك الجزء الذي يحب الحكايات.
الجزء الذي يتوقف عند الكلمات والمشاهد، ويحاول أن يفهمها بدل أن يمر عنها.
والجزء الذي كان يحلم يومًا بأن يكتب هو أيضًا قصةً تجعل شخصًا ما، في مكانٍ بعيد، يتوقف للحظة ويقول:
«لم أكن أظن أن هذه الحكاية ستعني لي كل هذا.»
ربما لهذا سأذكر «البؤساء» بطريقة مختلفة.
ليس لأنه كان مجرد أنمي جميل.
بل لأنه، في وقتٍ لم أتوقع فيه شيئًا، جعلني أتذكر لماذا أحببت الحكايات من البداية.
ولعل أجمل ما تفعله بعض القصص بنا، أنها لا تنتهي حين تنتهي صفحاتها أو حلقاتها... بل تبدأ بعد ذلك، في مكانٍ ما داخلنا.
#Luna_artix
#كتابات_Luna_Artix
#محبرة_كاتب
#سل_قلمك


33
17 comments
