Comunidad
𓄝𓂏 𝐏𝐡𝐨𝐛𝐢𝐚 𓂏𓄝 @4i__0x ·
!(زاد الطريق) في طريقٍ عابرٍ بين صمت الصحراء وثقل النهار، كان ابن عباس رضي الله عنهما رديفَ رسول الله ﷺ، غلامًا لم تكتمل له السنون، لكن الكلمات التي سمعها يومها كانت أكبر من عمره، وأبقى من الطريق الذي قيلت فيه. لم يمنحه النبي ﷺ وعدًا بأن الحياة ستكون رحيمة، ولم يقل له إن الناس لن يخذلوه، أو إن الأبواب ستبقى مفتوحةً له، أو إن من أحبهم سيبقون حتى النهاية. بل وضع في يده شيئًا أعظم من الطمأنينة العابرة؛ وضع له ميزانًا يقف عليه حين تختل الأرض من تحته: !(يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) ثم ترك له تلك الحقيقة التي لا يستطيع قلبٌ مؤمن أن يهرب منها: !(واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك) كأن الوصية لم تكن لفتى في الطريق، بل لكل إنسان سيأتي يومًا ويجلس وحيدًا أمام خسارته، محاولًا أن يفهم لماذا حدث كل شيء بهذه الطريقة. لأن الإنسان حين تنطفئ حوله الأشياء، يبدأ بمحاكمة حياته. يسأل: لماذا أنا؟لماذا رحل هذا وبقي ذاك؟لماذا فُتح الباب في وجه غيري وأُغلق في وجهي؟لماذا أعطيتُ قلبي ثم عدتُ به مثقلًا؟ لماذا كلما ظننت أنني وصلت إلى الضوء، انشق الطريق عن عتمةٍ أخرى؟ وهنا يبدأ أشد أنواع الصراع قسوة: أن يعيش الإنسان وهو يريد تفسيرًا لكل شيء، بينما بعض الأشياء لا يُعطى تفسيرها له. فنحن لا نتألم من الفقد وحده؛ نتألم لأننا نريد أن نفهمه. نريد أن نعرف لماذا مات من أحببنا، ولماذا افترق من ظنناه باقيًا، ولماذا خسرنا شيئًا بنيناه بعمرنا، ولماذا أُجبرنا على السير في طريق لم نختره. نريد من القدر أن يجلس أمامنا، وأن يشرح لنا نفسه. لكن القدر لا يفعل. يمضي. يمضي ونحن خلفه، نحمل أسماء الذين رحلوا، ووجوه الذين تغيّروا، وأبوابًا أُغلقت، وأمنياتٍ دفناها قبل أن ترى النور. وقد يصل الإنسان في لحظةٍ ما إلى درجةٍ يظن فيها أن حياته لم تكن إلا سلسلةً من الأشياء التي تعلّم كيف يفقدها. لكن هنا تأتي وصية النبي ﷺ، لا لتُنكر هذا الألم، وإنما لتمنحه موضعًا آخر: !(إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) لأن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أن يجعل قلبه معلقًا بما لا يملك. يجعل شخصًا واحدًا وطنًا، فإذا رحل أصبح غريبًا. يجعل أمنيةً واحدةً معنى للحياة، فإذا لم تتحقق ظن أن الحياة فقدت معناها. يجعل بابًا واحدًا خلاصًا، فإذا أُغلق وقف أمامه حتى ينزف رجاؤه. ويظل يطارد ما خرج من يده، كأن الركض خلف المفقود سيعيده. لكن ما كتبه الله لك لا يحتاج منك أن تنكسر حتى تصل إليه. وما لم يكتبه لك لن تفتحه لك كثرة التعلّق، ولا طول الانتظار، ولا استنزاف القلب. !(واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) هذه ليست جملةً لتسكين الخوف فقط. إنها اقتلاعٌ لجذر الوهم. ذلك الوهم الذي يجعلك تظن أن الناس يملكون مصيرك. نعم، قد يؤذيك إنسان. قد يخذلك. قد يترك فيك جرحًا لا يراه أحد. قد يأتيك منه خيرٌ لم تتوقعه، أو شرٌ لم تستعد له. لكن الإنسان، مهما بلغ، يبقى سببًا داخل قدر الله، لا سيدًا عليه. ولهذا: لا تجعل خذلان أحدهم سببًا في أن تكره الحياة كلها، ولا تجعل رحيل أحدهم دليلًا على أن الله أراد بك السوء، ولا تجعل خسارة شيءٍ تحبه حكمًا نهائيًا على مستقبلك، فأنت لا ترى إلا اللحظة، أما الله فيعلم الطريق كله. وقد تبكي على بابٍ أُغلق، لأنك لا ترى إلا الخشب الذي وقف في وجهك؛ بينما أنت لا تعلم ما كان خلفه. وقد تلعن طريقًا أُجبرت عليه، لأنك لا ترى إلا الحجارة التي آلمت قدميك؛ بينما أنت لا تعلم إلى أين كان يقودك. وقد تحزن على إنسانٍ خرج من حياتك، لأنك ترى الفراغ الذي تركه؛ بينما لا ترى ما كان سيتركه بقاؤه. وهنا لا يصبح الإيمان وعدًا بأنك لن تنكسر. بل يصبح إيمانك بأن انكسارك ليس خارج علم الله. وهذا فرقٌ هائل، فالله لم يقل إن الدنيا لن تؤلمك، لكن علّمك ألا تجعل ألم الدنيا إلهًا آخر، تعبده بالخوف والتعلق والاعتراض، سيأتي يومٌ تخسر فيه شيئًا، وسيأتي يومٌ تُخذل فيه، وسيأتي يومٌ تبحث فيه عن يدٍ تمتد إليك فلا تجد، وسيأتي يومٌ تجلس فيه مع نفسك، ويبدو لك أن كل الطرق التي عرفتَها انتهت. وحينها قد لا يبقى لك إلا ما كنت تظنه في أيام السعة أمرًا بسيطًا: أن ترفع يدك إلى الله، لا لأنك فهمت كل شيء، بل لأنك لم تعد بحاجة إلى فهم كل شيء كي تثق بمن يعلم كل شيء. وهنا تبلغ الوصية ذروتها: !(رُفعت الأقلام وجفّت الصحف) كأنها تقول لقلبك الذي أنهكه الاحتمال: كفّ عن تمزيق نفسك بسؤال: ماذا لو؟ماذا لو بقي؟ماذا لو لم أذهب؟ماذا لو قلت؟ماذا لو انتظرت؟ماذا لو اخترت الطريق الآخر؟ماذا لو لم يحدث ذلك؟ قد تقضي عمرًا كاملًا في هذه المقبرة الصغيرة التي اسمها !(<لو>) لكن الماضي لا يعود، والقدر لا يُعاد كتابته بأمنياتك. ما وقع، وقع بعلم الله. وما لم يقع، لم يكن لك. فلا تجعل نفسك سجينًا لشيءٍ انتهى، ابكِ إن احتجت، احزن، اشتق، اعترف بأنك تألمت. لكن لا تجعل الحزن يقنعك بأن الله غاب،ولا تجعل الخسارة تقنعك بأن الله تخلى عنك، ولا تجعل العتمة تقنعك بأنه لا يوجد غيرها. فقد يكون الإنسان في أشد لحظاته ظلمةً أقرب إلى الصدق مع الله من ألف يومٍ عاشها وهو يظن أنه مستغنٍ عنه. وقد تكون الضربة التي أسقطتك هي نفسها التي جعلتك ترفع رأسك لأول مرة إلى السماء. وقد يكون انطفاء كل شيءٍ حولك هو الذي يجعلك تكتشف أن قلبك كان يبحث عن النور في الأماكن الخطأ. #كلؤ_الأثر #سل_قلمك #كتابات_كورلايت #CORELIGHT
23 3 comentarios