في عتمة الأيام وحين يترك المرء طفلًا خلفه ويُعلّق قلبه بوعد العودة يغدو ذلك الوعد ميثاقًا فأن غاب الوعد سقطت الأمانة وتكسّرت أجنحة الانتظار
مرّت الأيام متثاقلة كأن كل ثانية تحفر جرحًا جديدًا في جدار الوقت؛ أسبوعٌ يلويه أسبوع، وشهرٌ يتبعه شهر، وسنواتٌ تتراكم كرماد السنين، وذاك الغائب لم يَعُد غير أن ذلك الطفل لم يبتئس ولم يُسلم قلبه لظلمة اليأس بل ظلّ مشتعلًا بأمل غض لا يشيخ يترقب أثر القدم ويسترق السمع لرجعة الأنفاس
كَبُر الصبي واشتدّ ساعده، وارتدى ثوب الشباب لكنّ قلبه ظلّ معلقًا بتلك اللحظة القديمة يحمل بين جوانحه أمل طفلٍ صغير لم يبلغ الحلم بعد
كان ينتظر يحمل لوعة الشوق ولهفة المتلهف يرقب الغريب في الزحام ويستحضر وجهًا رسمته أطياف الذاكرة وشكّلت ملامحه الأماني
صدمة الغياب في عين الحضور
وفي لحظةٍ لم تُحسب لها الأقدار حسابًا، التقت السُّبُل وتقاطعت الدروب رغماً عن صمت السنين.
كان اللقاء حاسمًا لكنه لم يكن الخلاص الذي نُسجت لأجله الأحلام، بل كان فاجعةً تزنُ الجبال: فالذي طال انتظارُه قد نَسِي
عينان كانت بالأمس مأوى للأمان أضحت اليوم تفيضان بالغربَة تنظران وكأن الوعد لم يُقطع وكأن السنوات لم تُعَش وكأن ذاك الطفل لم يكن سوى طيفٍ عابر مرّ وسقط من رفوف الذاكرة
في مهب الذاكرة
"وَعدتَ وما وفَيتَ بِعَهدِ قَلبٍ ... لَهُ بَعدَ العُهودِ جَفًا وضاعَا
كَبُرتُ وسارَ بي زَمَنٌ يَطولُ ... وَسِرُّ الشَّوقِ في الأضلاعِ شاعَا
فَلَمّا أَن لَقيتُكَ بَعدَ دَهرٍ ... وَجَدتُكَ قَد نَسيتَ والوَعدُ لاعَا"


9
0 comentarios · comentarios desactivados
