🪻 #تأمل
✍️ـــكتابة خاصة
أكثر ما يمرّ في بالي في هذا الزمان، حين أرى العالم يتجه بسرعة نحو ما يسمّى بالتطور والتحرر، وتغيّر كثير من القيم والأخلاق، أنني أتساءل: هل كل ما نراه تقدّمًا هو فعلًا تقدّم؟
أحيانًا نظن أننا نتجه نحو مستقبل مشرق، بينما قد نعود — من حيث لا نشعر — إلى صور من الجاهلية والانحراف التي حذّرنا الله منها.
ومن أكثر ما يؤلمني انتشار بعض المنكرات حتى أصبح بعض الناس يتعامل معها وكأنها أمر طبيعي، بل ويطالبون بتقبّلها وعدم إنكارها.
ومن أعظم ما ذكره القرآن في هذا الباب قصة قوم لوط، الذين جاءهم نبي الله لوط عليه السلام يدعوهم إلى ترك الفاحشة والرجوع إلى الله، فقال لهم:
﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾
[الأعراف: 80-81]
وقال سبحانه:
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾
[النمل: 54]
وكان الأمر عندهم أعظم من مجرد وقوع في المعصية؛ فقد وصل بهم الأمر إلى المجاهرة بها والدفاع عنها، حتى قالوا:
﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾
[النمل: 56]
تأملوا كيف أصبح الطاهر في نظرهم هو الغريب، وكيف انقلبت الموازين حتى صار من ينكر المنكر هو المستنكر عليه.
وهذا ما يخيفني في زماننا؛ ليس فقط انتشار المعصية، وإنما أن تصبح المعصية مألوفة، ثم مقبولة، ثم يُطلب من الناس اعتبارها شيئًا طبيعيًا لا يجوز إنكاره.
قال الله تعالى:
﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[المائدة: 62]
ومع ذلك، لا ينبغي أن يجعلنا انتشار المنكر نيأس من رحمة الله، فالله سبحانه رحيم بعباده، وباب التوبة مفتوح.
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
[الزمر: 53]
لكن رحمة الله ليست دعوة للاستمرار في المعصية، كما أن انتشار الشيء لا يجعله حقًا، واعتياد الناس عليه لا يجعله حلالًا.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
[هود: 113]
فعلينا أن نعود إلى الله قبل أن تعتاد قلوبنا ما كانت تستنكره، وقبل أن يصبح الباطل مألوفًا والحق غريبًا.
لا نملك تغيير العالم كله، لكننا نملك أن نحفظ قلوبنا، ونتمسك بديننا، ونربي أنفسنا على الحق، وألا نشارك في نشر ما حرّم الله أو الترويج له.
فالزمن يتغير، والناس تتغير، والمفاهيم تتبدل، لكن شرع الله لا يتغير بتغير أهواء الناس.
استغفر الله العظيم، ونسأله أن يثبت قلوبنا على الحق، وأن يحمينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يهدينا ويهدي بنا.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾
فالنجاة ليست في أن نسير مع الجميع، بل في أن نعرف أين يريد الله منا أن نقف.

6
2 yorum
