كأنني أرنو إلى زهرةِ الليليوم الأسود فأُبصرُ فيها مَخْبَأَ ذاتي، وأستجلي حقيقةَ نفسي في مرآةٍ غابرةٍ في الصمت.
كلما أطلتُ مقامي أتأملُ بهاءَها، سرت في وجداني ألفةٌ خفيّة الأسرار، وتملّكني يقينٌ بأنّ قَبَسًا من روحي قدِ استقرّ بين بتلاتها الداكنة، واتخذ من كبريائها المهيب ونأيها المترفع مظهرًا له.
في سوادِ هذه الزهرة جمالٌ وادعٌ غرير، ومَهابةٌ رقيقةُ الحواشي، وسُموٌّ غائرٌ في سحيقِ الأعماق
وفي طابعها الشتويّ سكينةٌ تحاكي مساءً قارسًا يلفّ الوجود بردائهِ السابغ، ثم يُودعُ الحنايا دفئًا هادئ الأنفاس، وأمانًا وثيرَ المستقر؛ كأنّ القمر سكبَ سَنى فضّتهِ النقيّة بين طياتها، فصار للعتمةِ في جوفها رونقٌ يخلبُ العقولَ ويأسرُ الألباب.
وأجلّ ما أُعجَبُ به فيها، تلك الشفافيةُ المبرّأةُ من كل زيف؛ إذ تُقبلُ على الوجود بهيئتها السافرة، ببتلاتها الغضّة وندوبها الغابرة، بجمالها المشهود وما يعتريها من نَقْصٍ جَبَلِيّ. تحملُ ملامحَها بطمأنينةٍ راسخةِ الأركان، وتدعُ للعابرين مَطْلَقَ الحرية في الرؤية والتأويل. وفي هذا الشبهِ مَلمحٌ أصيلٌ منّي؛ صدقٌ محضٌ مع الذات، ورضًا بالحقائقِ على عِلاتها، وجسارةٌ في الوقوفِ أمام الآخرين بوجهٍ يعي قدرَ نفسه يقينًا لا يداخله ريب.لذا، مَن رامَ الدنوّ منها، فليقترب بقلبٍ رحيبِ الأرجاء يسعُ مداها؛ ومَن لم تألفه عيناه، فالمسالكُ شتّى، وللزنبقِ صراطهُ الفريد. فبعضُ الجمالِ لا يزدهرُ مَغرسُه إلا حُرًا طليقًا، وبعضُ الأرواحِ تجدُ كمالَها في أن تمضيَ على هَديِ فطرتها، مكتفيةً بذاتها عن غَزْلِ المارّة وثنائهم المُستعار.ليست هذه الزهرة مجرد نبتةٍ أدنيتُها من حِمى قلبي، بل هي مِرآةُ روحي الماثلةُ تلقاءَ وجهي؛ أرى بين بتلاتها هدوئي، وعمقي، ورقيّي، وشتاءَ الصدر الحميم، والانعتاقَ المُطلق في أن أكون كما أنا.
كأنني حين أمدّ الطرف إليها، ألتقي بنَفْسي في هيئةٍ أخرى؛ زهرةً سوداء تتفتح في صمتٍ بليغ، وتترك جمالَها يترجمُ عنها بغير لسان
#عشوائيات_أليسيا
#luna_artix
#كتابات_luna_artix


36
10 comments
