لطالما شعرت أنني لا أنتمي لشيء، ولا إلى مكان، إلا البحر.
لطالما شعرت بالانتماء إليه، وكأنني سمكةٌ ضلّت طريقها من البحر إلى أرض البشر، فتحولت زعانفها إلى قدمين كعقابٍ على تركها للماء؛ فمشت بين البشر، لكنها لم تتعلم يومًا كيف تنتمي إلى أرضهم.
أشعر معه بالوجود رغم العدم، وبالحرية رغم كل القيود؛ أشعر أنني حين أقف أمامه لا أكون غريبة، ولا مضطرة لأن أبحث عن مكانٍ يشبهني، فالبحر وحده كان دائمًا يشبهني.
ولعلّ هناك أناسًا أحبّوا البحر، فأحبّهم البحر، وحين عجزت الحياة عن احتوائهم، احتضنتهم أمواجه. يأتون إليه مثقلين بما لا يستطيعون قوله، فيصغي إليهم بصمته، ويحمل عن قلوبهم شيئًا من ثقلها، ثم يعيد إليهم ما أخذه على هيئة موجٍ هادئ.
فيا من استطاع أن يجمع كل تلك المياه، ويحتوي في أعماقه مخلوقاتٍ صغيرةً وكبيرة، مختلفةً في أشكالها وحياتها، ويمنح لكلٍّ منها موضعًا في هذا الاتساع؛
أرح قلبي وبالي،
واجمع شتاتي كما جمعت أمواجك،
واجعل لي في هذا العالم موطنًا لا أشعر فيه بالغربة.
فإن كنتُ سمكةً ضلّت طريقها إلى أرض البشر،
فلا أريد سوى أن أظل قريبةً من البحر،
قريبةً من موطني الأول،
من المكان الذي كلما عدتُ إليه،
شعرتُ أنني لم أكن ضائعةً يومًا.


8
3 commentaires
