𝑨𝒃𝒅 𝑳𝒉𝒂𝒅𝒆 ٭ @c_ilv08 ·
من أكثر الأشياء غرابة في الوجود أننا نستطيع الحديث عن العدم، رغم أنه - إن كان عدمًا حقًا - فلا ينبغي أن يكون هناك شيء يمكن الحديث عنه أصلًا. فمجرد أن نصف العدم، أو نفكر فيه، أو نمنحه اسمًا، نكون قد منحناه نوعًا من الحضور داخل وعينا. وهنا تبدأ المفارقة. هل العدم موجود؟ إن قلت نعم، فقد جعلته شيئًا موجودًا، ولم يعد عدمًا. وإن قلت لا، فكيف يمكن لعقولنا أن تنشغل بشيء غير موجود إلى هذا الحد؟ لهذا السبب لم يكن سؤال العدم يومًا سؤالًا بسيطًا، بل كان أحد أكثر الأسئلة التي أربكت الفلاسفة عبر التاريخ. لأن العدم لا يشبه أي شيء آخر؛ فهو ليس مادة يمكن لمسها، ولا فكرة يمكن رؤيتها، ولا كيانًا يمتلك صفات خاصة به. إنه، في ظاهره، غيابٌ محض. لكن هل الغياب شيء؟ تخيل بيتًا هُدم. نحن نقول إن البيت أصبح عدمًا، لكن ما حدث في الحقيقة ليس أن العدم جاء ليسكن مكانه، بل أن الوجود الذي كان يشغل ذلك المكان قد اختفى. فالعدم لم يحل محل البيت، لأنه لو حل محله لكان شيئًا، ولما بقي عدمًا. ومن هنا رأى كثير من الفلاسفة أن الوجود هو الأصل، أما العدم فليس إلا اسمًا نطلقه عندما يغيب ذلك الأصل. إلا أن الإنسان لا يختبر العدم بهذه البساطة. فنحن لا نخاف الموت لأننا نعرف العدم، بل لأننا لا نستطيع معرفته. ونشعر بفراغ الفقد لأن شيئًا كان موجودًا ثم لم يعد كذلك. وفي كل مرة نفقد شخصًا، أو حلمًا، أو معنى، لا يبدو العدم فكرة فلسفية مجردة، بل تجربة تعبر داخلنا بكل ثقلها. ولهذا نظر الوجوديون إلى العدم بطريقة مختلفة. لم يسألوا: “هل العدم موجود؟” بل سألوا: “ماذا يفعل بنا إدراكه؟” ربما لا يكون العدم شيئًا في ذاته، لكنه يكشف لنا شيئًا عن أنفسنا. فلولا إمكانية الفناء، لما شعرنا بقيمة البقاء. ولولا احتمال النهاية، لما أصبح للبدايات هذا الجمال. ولولا العدم، لما بدا الوجود معجزة تستحق التأمل. وهكذا، قد لا يكون العدم حقيقة قائمة بذاتها، لكنه يظل المرآة التي تجعلنا ندرك قيمة كل ما هو موجود. وربما لهذا السبب، كلما حاول الإنسان أن يفهم العدم… انتهى به الأمر إلى فهم الوجود #محبرة_كاتب #كتابات_أورورا #كتابات_كورلايت #سل_قلمك #CORELIGHT #𝑆𝑁𝐼𝑃𝐸𝑅
37 コメント 2件