جزء صغير من روايتي أرجو أن ينال إعجابكم 🤧✨
───── ⋆。‧˚ʚ🕯️ɞ˚‧。⋆ ─────
وبينما كانت السماء قد أُثقلت بغيومٍ رمادية قاتمة، تتراكم فوق بعضها . انهمر المطر بغزارة، يتساقط على الأرض بلا هوادة، ويتناثر فوق الأشجار والطرقات، فيما كانت الريح تعبث بخصلات أوفيلا السوداء الطويلة، فتلتصق بعضها بوجهها وتنساب أخرى خلف كتفيها.
كانت تقف أمامه بابتسامةٍ صغيرة.
ابتسامة عفوية، دافئة، تشبه تلك التي اعتادت أن تمنحه إياها كلما رأته؛ كأن وجوده وحده كان كافيًا ليجعل العالم أقل قسوة عليها.
أما ياروسلاف، فكان يقف أمامها بهدوءٍ غريب.
ملامحه الحادة بدت أكثر قسوة تحت ضوء السماء المعتمة، وشعره الأسود ابتلّ بالمطر، بينما ظلت عيناه السوداوان ثابتتين عليها، خاليتين من ذلك الدفء الذي كانت تعرفه.
تحركت يداه بخفة قاصدة مكان المسدس في جيب سرواله الخلفي سحبه بخفة ثم رفعه بإتجاهها .
لم تفهم.
لم تستوعب حتى أن ما تراه أمامها حقيقي، إلى أن خرج صوته باردًا، جافًا، غريبًا عنها إلى حدٍّ جعل ابتسامتها تتوقف في مكانها.
«هل تملكين كلمة أخيرة؟»
رمشت أوفيليا ببطء.
وتغيدز م ت ملامحها من الدهشة إلى الاستغراب، وكأن عقلها يبحث عبثًا عن تفسيرٍ لما يحدث أمامها.
«ياروسلاف... ما الذي تهذي به؟ هل تنوي إخافتي؟»
خرجت منها ضحكةٌ متوترة، محاولةً أن تجعل الأمر يبدو مجرد مزحة ثقيلة.
ثم مدّت يدها نحو المسدس، تحاول خفضه كما لو كانت تفعل ذلك في موقفٍ عادي، وكأنها ما زالت تصرّ على أن الرجل الواقف أمامها هو ياروسلاف الذي تعرفه، لا الغريب الذي يصوّب سلاحًا نحوها.
وقفت على أطراف أصابعها، ومدّت يدها الأخرى نحو جبهته، وقبل أن تتمكن حتى من لمسها قالت بنبرةٍ عفوية:
«ياروسلاف، ما بك؟ اقترب، أريد أن أقيس حرارتك... يمكن أنك أُصبت بنزلة برد من المطر و-»
لكنها لم تُكمل.
«أنزلي يدك.»
توقفت أصابعها في الهواء.
كانت نبرته صارمة، لكنها هادئة.
هادئة بطريقةٍ جعلت الخوف يتسلل إليها أكثر من لو أنه صرخ.
أنزلت أوفيلا يدها ببطء.
تراجعت ابتسامتها شيئًا فشيئًا، وحلّ محلها استغرابٌ مشوبٌ بالحيرة. كانت عيناها تتحركان بين وجهه والمسدس، وكأنها تنتظر منه أن يبتسم فجأة ويخبرها بأنه كان يمزح.
«ياروسلاف... ما بك؟ أعرف أنك تمزح فقط، ها... صحيح؟»
قالتها بعفوية، لكن نبرتها كانت مرتجفة قليلًا.
ولم يجب.
فقط خرجت منه ضحكةٌ باردة.
ضحكة قصيرة، غريبة، لم تعرفها أوفيلا من قبل.
قبل يقول بنبرة جافة من أي مشاعر:
«تعبتُ من التمثيل.»
انطفأت ملامحها.
كأن الكلمات لم تصل إليها في البداية، أو ربما وصلت، لكن عقلها رفض أن يفهمها.
تعب من التمثيل؟
أي تمثيل؟
وقبل أن تتمكن من التفوه بأي سؤال، تابع بصوتٍ خالٍ من التردد:
«لكنني استمتعت. لقد كنتِ هدفًا سهلًا، كنت أتوقع أن يأخذ الأمر وقتًا أطول.»
حدقت فيه.
لم تعد تسمع صوت المطر من حولها.
لم تعد تشعر ببرودته على جلدها.
كان كل شيء قد ابتعد فجأة، ولم يبقَ في عالمها سوى ذلك الصوت الذي يخرج من الرجل الذي أحبته.
«ماذا تقول؟»
خرج سؤالها ضعيفًا، مشوشًا، يحمل في داخله خوفًا لم تستطع إخفاءه.
نظر إليها ياروسلاف دون أن يتغير شيء في ملامحه.
«أنتِ ساذجة.»
قالها ببرود.
ثم تابع:
«هل ظننتِ أن قاتلًا سيقع في حبكِ؟ أم ظننتِ أنني فعلًا توقفت عن القتل من أجلكِ؟»
كانت الكلمات تتساقط عليها واحدةً تلو الأخرى، كأن كل كلمةٍ منها تنتزع شيئًا من داخلها.
ثم قال:
«لا أشك أنكِ تخيلتنا كعائلة.»
عندها شعرت بشيءٍ ينكسر داخلها.
كأن شيئًا عاش فيها طويلًا قد تحطم دفعةً واحدة.
الحب.
الأمان.
كل الوعود التي صدقتها.
كل اللحظات التي ظنت أنها كانت حقيقية.
رفعت عينيها إليه، وكأنها تبحث في وجهه عن كذبةٍ واحدة تنقذها.
«ياروسلاف... أنت تمزح، صحيح؟»
اهتز صوتها.
«ما زلت تحبني، أعرف.»
رفعت يديها نحوه، تريد أن تلمس وجهه، أن تفعل أي شيءٍ يعيد إليها ذلك الرجل الذي أحبته، لكن يديها توقفتا في منتصف الطريق حين رأته يبتعد عنها.
تجمدت للحظة.
ثم أعادتهما ببطء إلى جانبيها.
وكأن حتى يديها فهمتا قبل قلبها أنه لم يعد يريد منها شيئًا سوى إنهاء حياتها؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت:
«لكن كيف أمكنك أن تفعل هذا—»
«سهل».
قاطعها ببرود.
ثم رفع عينيه إليها.
وللمرة الأولى، نظر ياروسلاف إلى عينيها حقًا.
وللمرة الأولى أيضًا، لم يستطع أن يهرب مما رآه فيهما.
كسر.
خذلان.
خوف.
خيبة.
وحبٌّ...، رغم كلّ ما قاله حتى الآن؟
كل شيء كان متداخلًا في نظرتها، حتى إن دموعها لم تعد تُرى بوضوح؛ امتزجت بقطرات المطر التي انحدرت فوق وجهها، فلم يعد يُعرف أيّهما كان ماء السماء وأيهما كان انكسارها.
ظلت تنظر إليه.
كأنها تريد أن تحفظ ملامحه للمرة الأخيرة.
ثم شعرت بشيءٍ ينقلب داخل معدتها.
غثيانٌ حاد اجتاحها فجأة، كأنها على وشك أن تتقيأ تلك الفراشات التي ملأها بها يومًا، تلك الفراشات التي جعلتها تشعر بالدفء، بالأمان، وبأنها محبوبة.
الفراشات نفسها التي ظنت يومًا أنها أجمل ما حدث لها.
الآن كانت تؤلمها.
شعرت بالأرض تميد تحت قدميها.
بدأت الدنيا تغبش أمام عينيها، وتداخلت ملامح ياروسلاف مع المطر والظلال، حتى لم تعد ترى منه سوى هيئةٍ سوداء واقفة أمامها.
شيئًا فشيئًا، أخذ كل شيءٍ يظلم.
صوت المطر ابتعد.
الرعد صار خافتًا.
والعالم كله بدأ ينطفئ من حولها.
وآخر ما رأته قبل أن تبتلعها العتمة...
كان نظراته إليها نفس النظرات التي إعتادتها من الناس قبل أن يصبح جزءا من حياتها...
نظرات الشفقة التي تمقتها...
───── ⋆。‧˚ʚ🕯️ɞ˚‧。⋆ ─────
#كتابات_Luna_Artix
#محبرة_كاتب
#Luna_artix
#سل_قلمك
#كتابات_تالين


46
6 comentarios
