يحاصرني الواقعُ ويحتضنني الخيال، تلاحقني الهمومُ فأهربُ إلى الأحلام. هكذا أعيشُ أنا؛ لديَّ في الخيال حياة، وفي الحياة كوابيسُ وظروفٌ تحرمني من العيش. ظروفي ليست عادية، بل هي تلك المخاوف التي لا يمرُّ بها كلُّ إنسان.
كلُّ شيءٍ كنتُ أخافُ منهُ أعيشهُ الآن، وكلُّ شيءٍ سأخافُ منهُ سيتحقّقُ مع مرور الأيام. لم يعد الخوفُ شعورًا عابرًا يمرُّ بي في بعض المواقف، بل أصبح رفيقًا لي في كلِّ شيء. بدأتُ أخافُ من خوفي، لأنَّ ما أهابهُ أعيشهُ بالفعل. والآن عليَّ أن أجد طريقةً لأحبَّ كلَّ ما أرعبُ من حدوثه، لعلَّ اللعنةَ تنفكُّ، ولعلّني لا أعودُ أعيشُ ما أخافُ منه.
عليَّ أن أحبَّ التغرّب، وعليَّ أن أفرحَ بالألم. نعم، عليَّ أن أحبَّك من جديد، وعليَّ أن أبتسمَ لكلِّ مشكلةٍ تمرُّ بي. عليَّ أن أعشقَ جروحَ قلبي، لعلّها تُشفى، وأن أتقبّلَ كلَّ فكرةٍ سلبيةٍ تسيطرُ عليَّ في منتصف الليل. والأسوأ من ذلك، أنَّ عليَّ أن أحبَّ حياتي، لأنَّ الخوفَ أصبح محورَ ما أحياهُ في هذه الأيام.
سأحبُّ حياتي، لعلّها تعودُ كما كانت قبل سنوات. آه، ليتها تعودُ إلى ذلك الماضي الذي ما زال يلمعُ داخلَ ذاكرتي، ويؤلمني في الوقت ذاته؛ لأنّهُ كان سعيدًا، براقًا، هادئًا بكلِّ ما فيه. كلّما تأملتُ صورةً قديمة، خُيّل إليَّ أنني أسمعُ صوتَها يقول:
«كان ياما كان، الحبُّ مالي بيتنا، ومدفّيـنا الحنان…
زارنا الزمان، سرق منّا فرحتنا، والراحةَ والأمان…»
الليلة، دموعي تكتبُ قبلَ قلبي، وتسألني: متى سأبكي من الفرح؟ متى ينتهي هذا العذاب، وأتمتّعُ براحةٍ لا يخالطها خوف؟ متى سأفكّرُ بالحبِّ قبلَ أن أنام، بدلًا من أن أعدَّ مخاوفي واحدةً تلو الأخرى؟ ومتى سأستيقظُ لأجدَ أمامي حلمًا أحقّقهُ مع بزوغ الصباح؟
ربما يقولُ عقلي إنني تهتُ طويلًا في الخيال، ويقولُ قلبي إنني وقعتُ في لعنةِ الواقعِ من جديد.
لكنني الليلة لا أريدُ أن أهرب.
لأوّل مرة، أريدُ أن أواجهَ الواقعَ دون أن أتركَ الخيالَ ينقذني منه.
-شُعور.


11
2 comentarios
