لم تكن هاويته وليدة صدمةٍ عابرة أو فاجعةٍ مباغتة، بل كانت انخلاعاً تدريجياً من النسيج الإنساني نفسه؛ إدراكاً مبكراً بأن هذا العالم قائمٌ على كذبةٍ جليلة لا يحسنُ تمثيلها. ينظرُ إلى البشر من حوله فيرى أجساداً تتصارع على معانٍ خاوية، بينما يرتدي هو زيفه الخاص: ضحكةً صاخبة ومزاحاً خفيفاً لا يعبر عنه، بل يستعمله كستارٍ سميك يحمي به العابرين من برودة الفراغ المستقر في أعمق طبقات صدره.
ذلك النزوع المتواصل نحو الفناء لم يكن فراراً جباناً من الحياة، بل كان أسلوبه الوحيد لرفض قواعدها. كان يرى في الانتماء لشيءٍ ما خطراً محققاً، وفي الامتلاء خدعةً تؤجل الارتطام المحتوم؛ لذا جعل من الضمادات التي تلفه إعلاناً صامتاً عن هيكلٍ مشروخ يأبى التماسك، وجعل من العنف في المافيا معبراً لاختبار حدود ألمه الخاص، علّه يجد في قاع القسوة ما يذكره بأنه لا يزال حيّاً.
غير أن التحول الحقيقي في مساره لم يولد من قناعةٍ شريفة بالفضيلة، بل من وصيةٍ أخيرَة تركها رجلٌ خاض معه العتمة وسقط فيها. لم يمنحه أوداساكو خلاصاً جاهزاً، بل ألقى في يده بدائل متساوية في عبثيتها؛ فحين استوى الخراب مع البناء في نظره، اختار أن ينحاز لإنقاذ الضعفاء نكايةً في العدم، وليجعل من وجوده العابر ثقلاً ينفع غيره، وإن كان هو نفسه لا يجد فيه شاطئاً لنجاته.
هكذا خاض أيامه في الوكالة، بطلاً غير متوقع يحمي الآخرين ببرودٍ مسيطر، ويحمل في جوفه إرثاً دامياً لا ينكره ولا ينتمي إليه. كان يستعرض خفته أمام الجميع، بينما يخوض في الخفاء أشرس معاركه ضد الوعي المفرط الذي يأكل أحشاءه؛ مستمراً في اللعب حتى الرمق الأخير، لا لإيمانه بجدوى النهار، بل وفاءً لعهدٍ قديم جعله يختار السير في النور رغماً عن الظلام الذي يستعمره.
────୨ৎ────
#Auralis
#Animeista
#محبرة_كاتب
#سل_قلمك
#كتابات_Aura
#سهام_اللورد_لدعم_المبدعين
#كتابات_ليونا


20
コメント 5件
