الرسالة الأخيرة
إلى من ظننتهم وطنًا...
لم يكن أكثر ما آلمني أنكم رحلتم، بل أنكم جعلتموني أعتقد، ولو للحظة، أنكم ستبقون.
لقد أدركت متأخرًا أن بعض البشر لا يغادرون حين تنتهي محبتهم، بل يغادرون حين تنتهي حاجتهم إليك.
كنت أقاوم كل يوم كي لا يسقط شيء آخر من داخلي، حتى لم يبقَ فيَّ ما يستحق السقوط.
تعلمت أن الوحدة ليست أن تجلس في غرفةٍ فارغة... بل أن تكون محاطًا بالوجوه، ولا يجد قلبك قلبًا واحدًا يفهم صمته.
كنت أبحث عن يدٍ تنتشلني، بينما كان الجميع يتفرجون على غرقي، ثم يتساءلون لاحقًا: كيف وصل إلى هذا الحد؟
ما أغرب البشر...
يبكون على الراحلين، لكنهم لا ينتبهون إلى الذين كانوا يرحلون أمام أعينهم كل يوم.
لم أعد أكره أحدًا...
فالكراهية تحتاج إلى قلبٍ ينبض، وقلبي أنهكته الخيبات حتى صار يعبر الأيام كغريبٍ لا يعرف لماذا ما زال يسير.
لقد ماتت في داخلي أشياء كثيرة...
الثقة...
والانتظار...
والأمل...
حتى أصبحت أبتسم لأنني نسيت كيف يبدو وجهي من دونها.
وإن سأل أحدٌ عني يومًا، فلا تقولوا إن الزمن هزمني.
قولوا فقط:
لقد قاتل وحده... بينما كان الجميع يشاهد المعركة من بعيد.
لا أحمل معي سوى الذكريات، لكنها لم تعد دافئة كما كانت، بل تحولت إلى شظايا، كلما لمستها نزف الماضي من جديد.
أترك لكم كل شيء...
الأحاديث التي لم تكتمل،
والوعود التي ذبلت،
والأماكن التي كانت تظن أن ضحكاتنا ستبقى فيها إلى الأبد.
أما أنا...
فسأغادر كما عشت بينكم...
هادئًا...
دون ضجيج...
ودون أن يلاحظ أحد أن جزءًا مني كان يختفي في كل يوم، حتى اختفى كله.
ولعل أصعب أنواع الوداع...
هو الوداع الذي يحدث، بينما صاحبه ما زال واقفًا أمام الجميع... يبتسم.


35
4 comments
