Comunidad
𓄝𓂏 𝐏𝐡𝐨𝐛𝐢𝐚 𓂏𓄝 @4i__0x ·
هل تُدرك اللحظة أنها ستصبح ذكرى، أم أن الذكرى وحدها هي من تتعلم كيف تُؤلم؟ هكذا تبدأ الأشياء الجميلة، بلا ضجيج، وبلا نبوءات، وبلا خوفٍ من نهايتها، تأتي كما يأتي الضوء إلى نافذةٍ أُغلقت طويلًا، ثم تمضي دون أن تعلم أنها تركت في الجدار ظلًا لن يزول، فما كان يومًا مأوىً للروح، يغدو مع الزمن أكثر المواضع قدرةً على تمزيقها، فالذكريات لا تشيخ، بل تتقن فنّ التخفي؛ ترتدي هيئة الطمأنينة حتى نفتح لها أبواب وعينا، ثم تكشف أن كل ما حفظناه منها لم يكن إلا الطريقة التي سيعاقبنا بها الزمن لاحقًا. هناك، حيث كانت نوبارا تسير إلى جوار ساوري، مجرد اسمين استعارتهما الحياة لتسمي بهما البراءة، كانت الطرقات تحفظ وقع الضحكات كما تحفظ الأرض أول قطرة مطر، وكانت السماء تنحني قليلًا لتفسح لأحلامهما مكانًا بين الغيوم، لم تكن الكلمات بينهما تُقال لتُفهم، بل لتُشعر، ولم تكن النظرات تبحث عن معنى، لأنها كانت المعنى نفسه، حتى بدا وكأن الزمن قد مرَّ بِهما ذات يوم، ثم أشاح بوجهه احترامًا لذلك الصفاء. لكن الزمن لا يحسد اللحظات لأنها جميلة، بل لأنها تظن نفسها باقية. لذلك لا يهدمها وهي تُعاش، بل يتركها تكتمل، ثم يقتلع منها روحها بصمت، يترك الصورة كما هي، والسماء كما هي، والطريق كما هو، لكنه ينتزع الإحساس الذي كان يمنح كل شيء اسمه، حتى يصبح المكان نسخةً دقيقةً من نفسه، إلا أنه عاجز عن الاعتراف بمن يعود إليه. وحين افترقت الخطوات، لم تغادر روحٌ روحًا أخرى، بل غادر المعنى هيئته الأولى. رحلت مع أحدهما رائحة الهواء، وخفة الضحكات، وطمأنينة الأيام التي كانت تبدو خارج قانون الفناء. أما الآخر، فلم يبقَ وحيدًا، بل بقي محاطًا بكل شيء، إلا بما كان يمنح الأشياء وجودها. وعندما عاد الماضي، لم يعد مرتديًا وجه ساوري، ولا منتظرًا نوبارا كما كانت، بل عاد في هيئة الزمن نفسه، يحمل في يديه ما يكفي من السنوات ليجعل اللقاء غريبًا، وما يكفي من الصمت ليجعل الكلمات تنسى أصحابها، وهناك فقط، أدركت الروح أن بعض اللقاءات لا تأتي لتعيد ما انكسر، بل لتكشف أن الكسر كان يحدث ببطء منذ اللحظة التي ظننا فيها أن السعادة كاملة، ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الذكرى نافذةً يُطل منها القلب على ما أحب، بل مرآةً يرى فيها الإنسان النسخة التي ماتت منه دون أن ينتبه،فالزمن لا يسرق الوجوه، بل يسرق القادرين على النظر إليها كما كانوا. وهكذا، لم تتحول نوبارا وساوري إلى شخصين افترقا، بل إلى جثةٍ رمزية تركها الزمن في منتصف الذاكرة، لم يكن فيها نبضٌ ليموت، ولا روحٌ لتُدفن، بل بقايا معنى يتآكل كلما اقتربت منه اليد، كانت الذكرى كجسدٍ شُقَّ صدره، ثم تُركت أحشاؤه مبعثرةً على أرض الوعي، لا لأن أحدًا أراد قتله، بل لأن الزمن يعرف أن بعض الأرواح لا تُزهق دفعةً واحدة، وإنما تُشرَّح ببطء، حتى يغدو كل عضوٍ منها ذكرى مستقلة تنزف وحدها. وكلما حاولت الروح أن تجمع ما تبقى منها، كانت تجد عظمًا يعرف صاحبه، وقلبًا لم يعد يعرف لمن كان يخفق، ولسانًا احتفظ بالكلمات بعدما ماتت الأصوات. عندها تدرك أن الفقد لا يترك جثةً يُصلّى عليها، بل يترك هويةً ممزقةً، يعجز صاحبها عن دفنها لأنها ما زالت تتنفس داخل ذاكرته. لذلك لم تكن الريح تقلّب صفحات ذلك الكتاب، بل كانت تمارس طقسًا أشبه بتشريح المعنى، تنزع صفحةً كما تُنزع قطعةٌ من جسدٍ فقد القدرة على الصراخ، حتى لم يبقَ من الحكاية سوى هيكلٍ من الذكريات، يقف في مقبرة الوعي شاهدًا على أن بعض النهايات لا تقتل الإنسان، بل تتركه حيًا داخل جثته المعنوية. #مذبحة_الطمأنينة #اعماق_مجهوله #سل_قلمك #كتابات_كورلايت #CORELIGHT
24 4 comentarios