خامسُ جويلية!
ليس عابرًا في مجرّة الأيام، بل هو فجرٌ تشرّب من دماء الشهداء حمرته، حتى خُيّل للشمس أن لها في الفلاة شقيقًا ينازعها سُلطان الإشراق. هناك حيث نحتت الأغلال في المعاصم أخاديدها، كانت الأرواح تخطّ على جبهة الدهر ملامح العزة؛ فما استطاع الحديد أن يرتدّ بالفجر إلى رحم الظلام، ولا استعرت النار إلا لتزيد السنابل صلابة؛ إذ في هذه الأرض مهجٌ إذا ناداها الوطن، جعلت من الدماء مدادًا، ومن الجماجم منائر تهتدي بوهجها الأجيال.كانت الجزائر يومئذٍ كالنخلة السامقة؛ كلما عصفت بها رياح الطغيان، تغلغلت عروقها في قرار المجد. فإذا ترجّل فارس، انبعث من كبوته ألف كوميت، وإذا انقشعت على الأفق سرايا الدخان، مزّق حلكتها التكبير كما يشقّ الحسام خاصرة السحاب. وما كانت الجبال صمّاء جلمودًا، بل صدورًا رحبة استودعتها الثورة أسرارها، فغدت الرياح تملأ الركبان بذكرى الشهداء كلما لثمت سفوحها.ثم أطلّ الفجر الموعود،لا يسوق ضياءه مجردًا، بل يزفّ أعمارًا غُيّبت في غيابة الثرى، وأحلامًا دُفنت لتصحو فوق الساريات بنداً يخفق. هنالك تبسّم ثغر الوطن، لا لإنفصام القيد فحسب، بل لانتصار الدم الطاهر على السيف الباغي، ولأن الأرض أثبتت أن قطرة من مَعين الشهادة أقدر على إنبات المجد من فيالق الحديد.وأنا ابنة هذه الأرض الولود، لا أتخذ الخامس من جويلية محطة أطرق بابها كل عام، بل روحًا تلتحفني، وقسمًا يتدفق مع الرعشات في العروق. فإذا جرى ذكر الجزائر، تمثّلتْ لي في حروفها راياتٌ منشورة، وفي ثراها ضغائن ليست مراقد للفناء، بل مهوداً يستكين فيها الخلود. تلك هي
الجزائر
وطنٌ كلما همّ التاريخ أن يخطّ سفرًا في معاني العزة، بلّ قلمه من مسك ترابها.
﴿وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر، فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا....


37
11 تعليقًا
