Evento: !(مذبحةُ الطمأنينة)
#مذبحة_الطمأنينة #فعاليات_animeista
لَمْ يَكُنِ الفَجْرُ الَّذِي ارْتَقَبُوهُ فَجْرًا، وَلَمْ تَكُنِ الحُرِّيَّةُ الَّتِي جَرَوْا نَحْوَهَا إِلَّا سَرَابًا يُجِيدُ التَّنَكُّرَ فِي ثَوْبِ النَّجَاةِ.
حِينَ انْفَتَحَ البَابُ الأَخِيرُ، وَتَنَفَّسَ الأَطْفَالُ هَوَاءً لَمْ تَلْمَسْهُ جُدْرَانُ الدَّارِ، ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ وَارَوْا خَلْفَهُمْ لَيْلًا لَنْ يَعُودَ. ابْتَسَمَتِ الوُجُوهُ، وَارْتَعَشَتِ الأَيْدِي وَهِيَ تَتَشَابَكُ، وَتَصَاعَدَتْ ضَحِكَاتٌ صَغِيرَةٌ تَظُنُّ أَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى مَحْوِ كُلِّ مَا سَبَقَ.
وَلَكِنَّ اللَّيْلَ لَا يَنْسَى أَبْنَاءَهُ.
كَانَتِ الغَابَةُ صَامِتَةً صَمْتًا يَبْدُو رَحِيمًا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي فِي جَوْفِهِ أَنْفَاسًا بَارِدَةً تُرَاقِبُهُمْ مِنْ بَيْنِ الأَغْصَانِ. لَمْ تَكُنِ الرِّيحُ تُحَرِّكُ الأَوْرَاقَ، بَلْ كَأَنَّ الأَوْرَاقَ هِيَ الَّتِي تَهْمِسُ لِلرِّيحِ بِأَسْمَائِهِمْ.
وَكُلَّمَا ابْتَعَدُوا، كَانَ الطَّرِيقُ يَطُولُ، وَكَأَنَّ الأَرْضَ تَلْتَهِمُ المَسَافَاتِ وَتُعِيدُ وِلَادَتَهَا تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ.
لَمْ يَلْحَظْ أَحَدٌ أَنَّ ظِلَالَهُمْ لَمْ تَعُدْ تُشْبِهُهُمْ.
كَانَتِ الظِّلَالُ تَتَأَخَّرُ خُطْوَةً، ثُمَّ خُطْوَتَيْنِ، ثُمَّ تَبْقَى وَاقِفَةً حِينَ يَمْضُونَ، كَأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَعْتَرِفُ بِأَصْحَابِهَا. وَحِينَ الْتَفَتَ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ، لَمْ يَجِدْ سِوَى العَتَمَةِ تَبْتَلِعُ كُلَّ أَثَرٍ لِمَا مَرُّوا بِهِ.
كَانَتْ إِيـمَّا تَنْظُرُ إِلَى رِفَاقِهَا بِابْتِسَامَةٍ مُتْعَبَةٍ، إِلَّا أَنَّ فِي أَعْمَاقِ عَيْنَيْهَا سُؤَالًا لَمْ يَجِدْ جَوَابًا: هَلْ يُمْكِنُ لِمَنْ نَجَا مِنَ الجَحِيمِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ؟
إِنَّ الجَسَدَ قَدْ يَفِرُّ، وَلَكِنَّ الرُّوحَ أَحْيَانًا تَبْقَى مُعَلَّقَةً عَلَى أَبْوَابِ السُّجُونِ.
مَرَّتِ الأَيَّامُ، وَبَدَأَتِ الوُجُوهُ تَسْتَعِيدُ أَلْوَانَهَا، غَيْرَ أَنَّ اللَّيَالِي كَانَتْ أَقْسَى مِنْ كُلِّ ذِكْرَى. كُلَّمَا أَغْمَضَ أَحَدُهُمْ عَيْنَيْهِ، سَمِعَ خُطًى لَا تَقْتَرِبُ... وَلَا تَبْتَعِدُ. خُطًى تَسِيرُ فَوْقَ حُدُودِ الوَعْيِ، كَأَنَّهَا تَعُدُّ أَنْفَاسَهُ، وَتَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ الَّتِي يَظُنُّ فِيهَا أَنَّهُ آمِنٌ.
وَمَا أَقْسَى الأَمَانَ إِذَا كَانَ مُجَرَّدَ وَهْمٍ.
صَارَتِ الاِبْتِسَامَاتُ ثَقِيلَةً، وَالأَحْلَامُ مُمَزَّقَةَ الحَوَافِّ، وَالأَطْفَالُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْكُضُونَ نَحْوَ الغَدِ، أَصْبَحُوا يَخْشَوْنَ أَنْ يُغْمِضُوا أَعْيُنَهُمْ لِئَلَّا يَسْتَيْقِظُوا فِي المَكَانِ الَّذِي هَرَبُوا مِنْهُ.
فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، كَانُوا يَسْمَعُونَ ضَحِكَةً بَعِيدَةً، لَا تُشْبِهُ ضَحِكَةَ إِنْسَانٍ، وَلَا صَدَى رِيحٍ، بَلْ شَيْئًا بَيْنَهُمَا؛ ضَحِكَةً تَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ، وَتَتَلَذَّذُ بِالصَّمْتِ الَّذِي يَعْقُبُهَا.
وَعِنْدَمَا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ ذَاتَ صَبَاحٍ، لَمْ يَبْدُ كُلُّ شَيْءٍ مُشْرِقًا. كَانَ الضَّوْءُ شَاحِبًا، كَأَنَّهُ خَرَجَ هُوَ الآخَرُ مِنْ حُزْنٍ قَدِيمٍ. وَكَانَتِ الطُّيُورُ تُحَلِّقُ فِي دَوَائِرَ لَا نِهَايَةَ لَهَا، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ سَمَاءٍ لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً.
عِنْدَهَا أَدْرَكُوا الحَقِيقَةَ الَّتِي لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَا.
إِنَّ بَعْضَ الأَبْوَابِ، إِذَا فُتِحَتْ، لَا تُغْلَقُ أَبَدًا.
وَإِنَّ بَعْضَ النِّهَايَاتِ، وَإِنْ بَدَتْ سَعِيدَةً، لَيْسَتْ سِوَى بَدَايَةٍ أُخْرَى لِرُعْبٍ أَعْمَقَ، رُعْبٍ لَا يَأْكُلُ الأَجْسَادَ، بَلْ يَلْتَهِمُ الطُّمَأْنِينَةَ قِطْعَةً قِطْعَةً، حَتَّى يُصْبِحَ الإِنْسَانُ غَرِيبًا عَنْ نَفْسِهِ.
وَهَكَذَا، لَمْ يَكُنْ أَعْظَمُ انْتِصَارٍ لَهُمْ هُوَ الهَرَبُ... بَلْ أَعْظَمُ هَزِيمَةٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَعُودُوا قَطُّ قَادِرِينَ عَلَى تَصْدِيقِ أَنَّ هُنَاكَ مَكَانًا يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى وَطَنًا، أَوْ لَيْلًا يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى هَادِئًا، أَوْ صَبَاحًا يَخْلُو مِنْ ذِكْرَى الخَوْفِ.


15
4 comentarios
