المجتمع
ENAS @NMNM ·
كنتُ أظن أنني المفضّل... أظن أن اسمي حين يمرّ على قلبك يختلف عن بقية الأسماء، وأن غيابي يترك فراغًا لا يملؤه أحد، وأنني ذلك الشخص الذي إذا ازدحم العالم حولك، بقي له مكانٌ محفوظ في روحك. كنتُ أعيش على هذا الوهم الجميل، وأرتّب أيامي على فكرة أنني مهم، أنني مُختار، أنني الشخص الذي لا يمكن أن يكون عاديًا في عينيك. لكنني لم أكن أعلم أن الإنسان أحيانًا يبني وطنًا كاملًا من إشارة صغيرة، ويشيّد قصرًا من كلمة عابرة، ثم يكتشف متأخرًا أنه كان يسكن سرابًا. في يومٍ ما، دون إنذار، انكشفت الحقيقة. لا بصوتٍ عالٍ، ولا بخصامٍ كبير، بل بتفاصيل صغيرة كانت كافية لتكسرني. رأيت كيف يُمنح الآخرون ما كنت أظنه لي. كيف يُقال لهم ما كنت أعتقد أنه خُصّني وحدي. كيف يُلتفت إليهم بينما كنت أقف في الزاوية أراقب، أحاول أن أفهم متى تحوّلت من شخصٍ ظن نفسه مميزًا إلى شخصٍ لا يُرى. وكانت تلك من أقسى الخيبات... أن تكتشف أنك لم تخسر مكانتك، لأنك لم تكن تملكها أصلًا. يا الله... كم هو موجع أن تقضي ليالي طويلة وأنت تعتقد أنك قريب، ثم تدرك أنك كنت أبعد مما تخيلت. أن تحفظ تفاصيلهم كلها، بينما لا ينتبهون لتعبك. أن تتذكر كل كلمة قالوها، بينما ينسون وجودك لأيامٍ دون أن يشعروا بأي نقص. كنتُ أظن أن غيابي سيُقلقك. أنك ستبحث عني. أنك ستسأل: أين اختفى؟ لكنني اختفيت مراتٍ كثيرة، ولم يحدث شيء. بقي العالم كما هو. ضحكتَ كما كنت تضحك. عشتَ كما كنت تعيش. وكأنني لم أكن جزءًا من المشهد أصلًا. عندها فقط فهمت... أن بعض الأشخاص نضعهم في قلوبنا، بينما يضعوننا هم على الهامش. وأيّ وجعٍ أكبر من أن تكتشف أنك كنت تقرأ قصة كاملة، بينما كنت مجرد سطرٍ عابر في كتابهم؟ كنتُ أظن أنني المفضّل... لكنني كنت مجرد شخصٍ أحبّ أكثر مما ينبغي. شخصٍ صدّق النظرات، وعلّق قلبه بالاحتمالات، ومنح مشاعره كلها دون أن ينتبه أن الطرف الآخر لم يكن يحمل الشعور نفسه. والحقيقة التي أبكتني ليست أنني لم أكن المفضّل... بل أنني لم أكن حتى خيارًا مهمًا. كنتُ أقاتل لأبقى. وأنت لم تكن تلتفت أصلًا. كنتُ أخاف خسارتك كل يوم. وأنت لم تكن تخاف غيابي ولو مرة. وكم ليلةٍ جلست فيها أحدّث نفسي: هل أنا قليلٌ إلى هذا الحد؟ هل ينقصني شيء؟ لماذا يُرى الجميع إلا أنا؟ ثم أدركت بعد وجعٍ طويل أن المشكلة لم تكن بي... بل في أنني وضعت قلبي في المكان الخطأ. أعطيت شخصًا مكانةً عظيمة، بينما كنت عنده أمرًا عاديًا جدًا. وما زال يؤلمني أنني كلما تذكرت تلك الأيام، أتذكر كيف كنت سعيدًا بوهمي. كيف كنت أبتسم لأشياء لم تكن حقيقية. كيف كنت أبني أحلامًا كاملة على أرضٍ لم تكن موجودة. أبكي أحيانًا، ليس لأنك رحلت... بل لأنني أتذكر ذلك الشخص الذي كنته أنا. ذلك الذي أحب بصدق، وانتظر بصدق، وحلم بصدق، ثم عاد إلى نفسه مكسورًا يحمل بقايا قلبه بين يديه، ويسأل: كيف استطعت أن أكون كل هذا الحب لشخصٍ لم يرني أصلًا؟ كنت أظن أنني المفضّل... ثم اكتشفت متأخرًا أنني كنت مجرد عابرٍ جميل، مرّ في حياتك بصمت، ورحل بصمت، ولم يترك وراءه سوى قلبٍ يتعلم الآن كيف ينجو من خيبةٍ لم يكن يتوقعها أبدًا. #كاتب #دعم_الكاتبين #شارة_كاتب
5