المجتمع
الفصل الأول لم يكن الخوف شعورًا مألوفًا لديها… لكن في تلك الليلة، تعلّم قلبها كيف يرتجف. في قريةٍ أندلسية هادئة، حيث تتعانق المآذن مع السماء، عاشت سُلافة حياةً لم تكن تتوقع أن تنكسر يومًا. كانت تؤمن أن لكل جرح دواء… وأن الرحمة قادرة على إصلاح ما أفسدته الدنيا. لكنها لم تكن تعلم… أن بعض الجراح لا تُشفى. كان الليل قد أرخى ستاره، وسكون القرية يشبه صلاةً طويلة، حين انشقّ الهدوء فجأة بصوتٍ حادّ… صرخةٍ لم تحمل ألمًا فقط، بل حملت نذير كارثة. توقفت أنفاسها للحظة. رفعت رأسها ببطء، كأنها تخشى أن يكون ما سمعته حقيقة. ثم تكرر الصوت. هذه المرة… أقرب. نهضت بسرعة، عباءتها انسدلت خلفها، وخطواتها تسارعت دون تفكير. لم تكن تهرب من الخطر… بل كانت تسير نحوه، كما اعتادت دائمًا. لكنها، هذه المرة… لم تكن تعلم أن الخطر ينتظرها. عندما وصلت إلى الساحة، كان المشهد كفيلًا بأن يسرق صوتها. أجساد على الأرض… دماء لم تجف بعد… وناسٌ يصرخون، يركضون، يختبئون خلف خوفٍ لم يعرفوه من قبل. وفي وسط كل ذلك… كان هو. واقفًا… بثباتٍ مرعب، كأن الفوضى من حوله لا تعنيه. عيناه كانتا مظلمتين، لكن ليس بظلام الليل… بل بظلامٍ أعمق، يشبه روحًا أنهكها الألم. لم يكن مجرد قاتل… كان إنسانًا فقد شيئًا… ولم يعد يعرف كيف يعيش بدونه. "أمسكوه!" دوّى الصوت، واندفع بعض الرجال نحوه، بينما كانت الأسلحة تُوجّه إليه من كل اتجاه. لكنه لم يتحرك. بل… كان ينظر. يبحث. حتى وجدها. سُلافة. في تلك اللحظة، شعرت وكأن الأرض اختفت تحت قدميها. لم تستطع أن تتحرك… ولم تستطع أن تُبعد عينيها عنه. كان هناك شيء في نظرته… شيء لم تفهمه، لكنه أصابها في عمقها. خوف؟ ربما. أم شيء آخر… أشدّ غموضًا؟ تقدمت خطوة، دون أن تدرك… وكأنها تنجذب إلى مصيرها. وفي لحظة واحدة— اختفى كل شيء. لم تسمع الصراخ… لم ترَ الناس… لم تشعر إلا بيده التي قبضت على ذراعها بقوة، وسحبها نحوه. شهقت، وارتجف جسدها، لكن صوتها لم يخرج. اقترب منها، حتى شعرت بأنفاسه الباردة، وهمس بصوتٍ منخفض، لكنه كان كافيًا ليُجمّد الدم في عروقها: "الآن… أنتم تستمعون لي." ارتفعت الأسلحة، وتجمّد الجميع. "اتركوها!" صرخ أحد الجنود. لكن الرجل— أندرياس— لم يُظهر أي تردد. بل شدّ قبضته عليها أكثر، وجعلها درعًا بينه وبين العالم، ثم قال ببرود: "افتحوا الطريق… أو تموت." كانت تلك اللحظة… بداية النهاية لكل ما عرفته سُلافة. لم تعد تلك الطبيبة التي تعالج الآخرين… بل أصبحت أسيرة رجلٍ لا يعرف الرحمة. أما هو… فلم يكن يعلم أن هذه الفتاة، التي يمسكها الآن بلا تردد… ستكون الشيء الوحيد الذي سيكسر كل ما بناه من قسوة.
3