Communauté
هل نحن "مسافرون عبر الزمن" دون أن ندري؟............. عن مأساة العيش بين صور الأمس وتوقعات الغد هل لاحظت كيف يبدأ صباحك عادة؟، تمسك هاتفك، فتأتيك إشارة من تطبيق الصور تخبرك: "في مثل هذا اليوم منذ 5 سنوات"، فتغرق في الحنين لذكرى رحلة قديمة، ثم تنتقل لتطبيق آخر يقترح عليك الطريق الأسرع لعملك، وأغنية تناسب مزاجك، وفيلمًا لتشاهده في المساء، أنت في لحظة واحدة كنت تعيش في "الماضي"، ثم قفزت لترتب "المستقبل"، ولكن السؤال المرعب الذي يطرحه الفلاسفة وعلماء النفس اليوم هو .... أين ذهب "الحاضر"؟، أين هي تلك اللحظة الوحيدة الحقيقية التي نتنفس فيها الآن؟ مرحبًا بك في عصر "الزمن الممزق"، حيث تحولت حياتنا إلى شطيرة، نحن الحشو المضغوط فيها بين طبقتين سميكتين: أرشيف ضخم من الصور، وخوارزميات تتنبأ بما سنفعله قبل أن نفكر فيه. قديماً، كانت الذاكرة البشرية "نسّاءة"، تنسى التفاصيل المؤلمة أو المملة وتحتفظ بالخطوط العريضة، وهذا كان رحمة من الطبيعة، أما اليوم، نحن نعيش في ما يسميه الفيلسوف الفرنسي رولان بارت بـ "الموت المستمر"؛ فكل صورة تلتقطها وتخزنها في "السحابة" (Cloud) هي في الحقيقة إعلان عن موت اللحظة، نحن لم نعد نعيش الأحداث، بل نوثقها، عندما ترفع هاتفك لتصوير غروب الشمس بدلاً من تأمله، أنت تقول لا شعورياً: "أنا لا أريد الاستمتاع بهذا الآن، أريد تجميده لأستمتع به لاحقاً"، لقد تحولنا إلى أمناء متاحف، نمضي يومنا في تلميع ذكرياتنا الرقمية، ونشعر بـ "نوستالجيا" مصطنعة لأيام ربما لم نكن سعداء فيها أصلاً، لكن الصور "المفلترة" تخدعنا بأن الماضي كان جنة. وعلى الضفة الأخرى، يقف وحش "المستقبل" المتمثل في الخوارزميات (Algorithms)، والخوارزمية ببساطة هي "وصفة رياضية" ذكية تتوقع سلوكك بناءً على بياناتك السابقة، إنها العرافة الجديدة، منصات مثل "نتفليكس" و"سبوتيفاي" لا تنتظر منك أن تختار، هي تعرف أنك يوم الخميس مساءً تميل للكآبة فتقترح عليك فيلماً درامياً، وتعرف أنك جائع فتظهر لك إعلان مطعم، السينما تنبأت بهذا في فيلم Minority Report، حيث يتم التنبؤ بالجرائم قبل وقوعها، نحن نعيش نسخة ناعمة من هذا الفيلم؛ حيث يتم التنبؤ برغباتنا قبل أن نشعر بها، الخطورة هنا -كما يطرحها المفكر يوفال نوح هراري- هي أننا نفقد تدريجياً "الإرادة الحرة"، نحن نسلم قيادة حياتنا للآلة لأنها "أدرى" بمصلحتنا، فنتحول من فاعلين في المستقبل إلى مجرد "منفذين" لسيناريو كتبه الذكاء الاصطناعي. إذن، نحن عالقون؛ أجسادنا هنا، لكن عقولنا مشتتة، نصفها يبكي على "الستوري" القديمة، ونصفها الآخر يخطط لـ "الترند" القادم، وهنا تظهر المعضلة النفسية الكبرى التي يسميها علماء النفس "قلق الزمن" (Time Anxiety)؛ الشعور الدائم بأن الوقت يسرقنا، وأننا نركض في مكاننا، السبب ببساطة هو أننا قتلنا "الحاضر"، الحاضر هو الزمن الوحيد الذي نملك فيه السيطرة، وهو الزمن الوحيد الذي تحدث فيه الحياة فعلياً، لا يمكنك أن تشم رائحة القهوة في صورة (ماضي)، ولا يمكنك أن تشمها في اقتراح خوارزمية (مستقبل)، أنت تشمها "الآن" فقط. التكنولوجيا منحتنا "الخلود" في الصور، و"اليقين" في التوقعات، لكنها سلبتنا "الدهشة" و"الحضور"، في ممارسة نوع من "الصيام الزمني"؛ أن تجبر نفسك يومياً على أن تكون هنا، بلا كاميرا توثق، وبلا خوارزمية تقترح، أن تعيش اللحظة "خام" كما هي، قبل أن تتحول إلى ذكرى في أرشيف، أو داتا في سيرفرات شركة عملاقة.
4