Topluluk
حمد الذي أنهكه الفقد حتى الصمت في ليلة باردة كان حمد يسير وحده بين طرقات القرية والريح تعوي حوله كأنها تنادي أسماء ماتت منذ زمن وكانت خطواته بطيئة ثقيلة كأن كل خطوة تحمل ذكرى وكل ذكرى تحمل وجعا لا يحتمل لم يكن يبكي لأن الحزن صار أعمق من الدموع صار يسكن صدره كصخرة لا تتحرك ولد حمد على الفقد مات أبوه وهو صغير وكان يقف عند الباب كل مساء ينتظر عودته لكن الباب كان يفتح ولا يدخل منه أحد ثم أمه التي كانت آخر ما يربطه بالحياة كانت تمسح على رأسه وتقول أنا لك الدنيا كلها يا حمد لكنه لم يعلم أن الدنيا تموت مرضت وذبل صوتها وفي ليلة صامتة تركت يده ولم تعد تمسك بها أبدا ومنذ تلك الليلة لم يعد حمد طفلا كبر في بيت عمه يعيش بينهم لكنه ليس منهم يأكل معهم ولا يشبع وينام تحت سقفهم ولا يشعر بالأمان وكبر معه فراغ لا يملأه شيء حتى جاء يوم رآها نورة كانت عند بئر القرية وشمس الغروب تلامس وجهها بهدوء لم تكن الأجمل لكنها كانت أصدق شعورا كأنها طمأنينة سقطت في قلبه لأول مرة شعر أن قلبه ينبض اقترب منها بصمت وكانت تفهمه دون كلام إذا سكت ابتسمت وإذا نظر خفضت عينيها وكأن بينهما لغة لا يسمعها أحد تزوجها وفي تلك السنة تبدل حاله صار يضحك ويشتاق للبيت وينتظر صوتها ودفء يدها وكان يظن أن الحزن انتهى لكن الحزن لا ينتهي في يوم عادي سقطت نورة بلا مقدمات مرضت مرضا قاسيا وكانت تذوب أمام عينيه يوما بعد يوم وجهها صار شاحبا وصوتها صار همسا وكان يجلس عندها لا ينام ولا يأكل فقط يمسك يدها ويخاف أن تتركه وفي ليلة ثقيلة نظرت إليه وقالت بصوت متعب يا حمد لا تعيش وحدك ترى الوحدة تقتل ارتجف وقال أنا كنت ميت قبلك لا تخليني أرجع أموت فابتسمت ابتسامة صغيرة ثم أغمضت عينيها ولم تفتحها أبدا بعد دفنها عاد حمد للبيت فتح الباب ببطء كأنه يخاف الحقيقة دخل فوجد الصمت يملأ المكان نظر إلى ثوبها المعلق وكأنه ينتظرها تعود وإلى كوبها الذي لم يغسل وإلى وسادتها التي ما زالت تحمل أثرها جلس ثم انهار وبكى كما لم يبك في حياته بكى على أمه وأبيه وعلى نفسه وعليها حتى صار صوته أنينا ثم سكن مرت الأيام لكنها لم تمر كل يوم أطول من الذي قبله وكل ليلة أشد ظلاما صار يمشي بلا هدف ويجلس بلا سبب يسمع صوتها في كل زاوية ويلتفت ولا يجد شيئا وفي ليلة شديدة البرودة خرج إلى نفس الطريق وقف طويلا ورفع رأسه وقال يا رب أنت أعلم بحالي وأنت أرحم بي من نفسي إن كان هذا ابتلاء فصبرني وإن كان فراق فاجمعني بمن أحب في جناتك ولا تتركني لنفسي فقد تعبت ثم جلس وأسند رأسه وأغلق عينيه بهدوء كأن التعب غلبه في الصباح وجدوه على الأرض جسده بارد ووجهه ساكن كأنه أخيرا ارتاح قالوا مات لكن الحقيقة أنه مات منذ زمن يوم فقد أول يد تمسكه ويوم فقد آخر قلب يحبه ولم يكن هناك من يبكي عليه كما بكى هو ولم يكن هناك من ينتظره ولا من يفتقده انتهت حياته كما عاشها وحيدا مكسورا محملا بحزن لو وزع على قرية لكفاها #روايات #قصص
7