المجتمع
كانت الليلة هادئة تماماً في حي الزمالك العريق. "كريم"، الشاب الذي يهوى السهر، كان يجلس وحده في شقة جده القديمة، تلك الشقة التي تمتاز بأسقفها العالية وممراتها الطويلة المظلمة. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً، والهدوء في الخارج لا يقطعه سوى صوت ريح خفيفة تداعب أوراق الأشجار العالية في الشارع. ​فجأة، سمع كريم صوتاً غريباً يأتي من المطبخ.. "طق.. طق.. طق". ​توقف عن الحركة وظل ينصت بتركيز. ظن في البداية أنها مجرد أنابيب المياه القديمة، لكن الصوت تكرر، هذه المرة بانتظام أكثر، وكأن هناك من ينقر بأظافره على الرخام. نهض ببطء، ممسكاً بهاتفه، واتجه نحو المطبخ. عندما أشعل الضوء، لم يجد شيئاً. كل شيء كان في مكانه، لكنه لاحظ أن نافذة المطبخ التي تطل على المنور كانت مفتوحة قليلاً، رغم أنه يتذكر جيداً إغلاقها. ​أغلق النافذة بإحكام وعاد إلى غرفته. وبينما كان يمر بالممر الطويل الذي تتوزع فيه صور عائلته القديمة، شعر ببرودة مفاجئة تجتاح المكان. وفجأة، انطفأت أنوار الممر دفعة واحدة. ​تجمد كريم في مكانه. حاول إشعال كشاف هاتفه، لكن الشاشة كانت تومض بشكل غريب ثم انطفأت تماماً، وكأن شيئاً ما يمتص الطاقة منها. في تلك اللحظة، سمع همساً يأتي من خلفه مباشرة، صوت أنفاس ثقيلة وباردة تلامس رقبته. ​"لماذا أغلقت النافذة؟.. كنت قد بدأت أشعر بالراحة بالداخل." ​التف كريم بسرعة، ليرى خيالاً أسوداً طويلاً يقف في نهاية الممر، ملامحه غير واضحة باستثناء عينين تشعان بضوء باهت أحمر. لم يكن الخيال يلمس الأرض، بل كان يطفو بهدوء، وبدأت الجدران من حوله تتشقق ويخرج منها سائل أسود لزج. ​حاول كريم الصراخ، لكن صوته اختفى تماماً. ركض باتجاه باب الشقة، لكنه كلما ركض، بدا الممر يطول ويطول، وكأنه يركض في مكان لا ينتهي. وفجأة، وجد نفسه يقف أمام مرآة كبيرة في الصالة. ​نظر إلى انعكاسه، لكنه لم يرَ نفسه.. رأى شخصاً يشبهه تماماً، لكنه كان يبتسم ابتسامة عريضة غير بشرية، وعيناه فارغتان تماماً. مدّ "الانعكاس" يده من داخل المرآة وأمسك بقميص كريم، وبدأ يسحبه ببطء إلى داخل الزجاج وهو يهمس: ​"الآن.. سأخرج أنا، وتبقى أنت هنا.. إلى الأبد." ​في الصباح، وجد الجيران باب الشقة مفتوحاً. كانت الشقة فارغة تماماً، باستثناء هاتف ملقى على الأرض وشاشة المرآة المحطمة، وعلى الرخام في المطبخ، كانت هناك آثار أظافر عميقة محفورة بدقة.
8