المجتمع
العدو كلمة تستعمل بكثرة ولا ترتبط بشخص أو شيء أو حتى مكان، بل قد تتعدى ذلك بكثير. العدو هو الظل المظلم الذي لا يظهر إلا عند سقوط عليه نور الخلاف فلا يشترط في كلمة عدو أن ترتبط بالشر بل قد ترتبط بتعريف يُنافي تعريفك فقط لا غير، أي بمعنى أخر قد ترى شخص يُناقضك في شيء أو فكرة معينة ويسعى إلى تغييرها فأنت حين إذن تطلق عليه تعريف عدو. قد تتسائل يوماً عن هل هناك عدو للإنسان قد يولد معه !؟ ... وهل هناك عدو يكون متواجد دائما معك !؟ وللحصول على إجابة كافية وجب عليك خوض غمار البحث و التطرق إلى معاني العداوة و أشكالها للولوج إلى ما هو خفي و ضامر. ◈ 『 أنــواع الــعــداوة 』: 【 على المستوى الفردي 】 ❍ العدو العاقل و العدو الجاهل: العدو العاقل هو كالثعلب في الظلام، لا يُرى أثره إلا بعد أن يحقق مراده وعكس هذا هو العدو الجاهل حيث يكون جاهل لحال عدوه و تكون خطواته منبثقة من عاطفته ولا تحمل أي تخطيط فيندفع كالنار في الهشيم يفضح نفسه قبل أن يبلغ غايته. ❍ العدو الثابت في عداوته و العدو المتقلب: العدو الثابت في عداوته هو الذي لا يتنازل عن مبادئ عداوته حتى لو قدموا له الكثير من المغريات وعكسه العدو المتقلب الذي إن قدمت له مصلحة ما أو غرض رضي عنك وإن لم تفعل يُعاديك وهذا النوع لا تكون لدية عاطفة ضغينة أو عداوة لعدوه، فقط يريد مصلحته. ❍ العدو الباطن وهي العداوة التي تنبع من الشخص ذاته لذاته، قد لا تفهمني أيها القارئ ولكن حين تقرأ قول الله تعالى {...إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُم ...} وهنا نلاحظ أن المُراد من هذه الآية ليس العداوة التي تكون ضد لضد بل تكون منك انت لنفسك بسبب إهتمامك الزائد حيث أنك قد تلتهي بهم عن صلاتك و أعمالك الأخرى المطلوبة منك وهذه عداوة خطيرة، لانها تكون خفية وغير ملحوظة من قِبل الشخص و تُشكل عائق بينك وبين الله سبحانه و تعالى. ◈【 على المستوى العام 】 ❍ العدو السياسي في السياسة ليس هناك صداقة دائمة ولا عداوة دائمة بل مصلحة دائمة، فالسياسة هي ساحة شطرنج لا اصدقاء فيها ولا أعداء وإنما بيادق تتحرك حيث تقتضي المصلحة. أريد أن أضيف بأن هذا صحيح ولكن هناك اصناف أخرى من العداوة السياسة وهي عداوات مثل: 1- آيديولوجية: تنشأ بسبب اختلاف القيم و المبادئ بين الأطراف السياسية كمثال عليها روسيا و أمريكا و الحرب الباردة الناشئة بينهم بسبب إختلاف أيديولوجيا الرأسمالية الليبرالية في أمريكا و أيديولوجيا الدولة الشيوعية التي تتبناها روسيا(الاتحاد السوفيتي). 2- تاريخية: وهي الخصومات و الصراعات المتوارثة عبر الزمن و كمثال عليها المانيا و فرنسا. 3- مصلحية ظرفية: تستمر مثل هذه العداوات فترات اقصر من بقية أنواع العداوات لأنها قائمة على مصالح آنية مثل السلطة أو الموارد و تنتهي بمجرد انتهاء هذه المصالح أو تغيرها. قد تكون إحدى هذه العداوات مصطبغة بالشراسه مثل حرب العراق و إيران وأخر مدرجة ضمن العداوة الهادئة السلمية مثل التنافس الدبلوماسي بين الصين و اليابان. ◈ تنوعت العداوات شكلاً ومضموناً فيما سبق ذكره فبعضها خارجي وجليّ كالحروب أو الصراعات السياسية وبعضها ظرفي وزائل كالمصالح، لكن التجربة والتأمل يدلان على أن أخطر عداوة هي تلك التي تنبع من داخل الإنسان فهي التي تعيق العبادة والعمل وتقف حاجزاً أمام تحقيق الأهداف الحقيقية، بينما العداوات الخارجية غالباً ما يمكن إدارتها أو تجاوزها. وسط هذا التنوع الهائل للعداوات يظل هناك سؤال قائم وهو ... 『 هل هناك عداوة حقيقة تواجه كل فرد في هذا العالم !؟ 』: أغلبنا يفكر و يقول نعم يوجد وهذا طبيعي جدأ وقد ترى عدو يتكرر مع الكثير من الناس وهي عداوة الفاشلين بسبب نجاحك في مجال لم ينجحوا فيه فهنا انت لديك خيارين إما تحطيمهم و البروز من بين حطامهم او الإجتهاد و البروز من فوقهم وهم في مكانهم وهذا هو النجاح الحقيقي. أما في وجهة نظري، دائما ما كنت أُفكر في "هل هناك عدو للإنسان قد يولد معه !؟ ... وهل هناك عدو يكون متواجد دائما معك في كل اعمالك !؟ " السؤال الأول قد عرفت إجابته منذ زمن وهو نعم يوجد عدو ولد معك وهو قرينك الذي يعاديك في عمل الصالحات و آوامر الله، فكما قال تعالى في سورة فاطرــ6 {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} وقال تعالى في سورة ق ــ23 {وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ}، أما السؤال الثاني فظهر عندما استثنيت القرين من المعادلة فكنت أفكر "هل يوجد عدو قد يمنعك من تحقيق أهدافك الدنيوية ؟ " و وجدت إجابة هذا السؤال عندما سمعت أحدهم ينصح إبنه الصغير عندما توالت عليه همسات أقرانه بالسوء و هوت به إلى قعر مظلم حيث أصبح يرى أنه عدو أقرانه، فقال له أباه ممسكاً به بحزم〖 " انت لا تملك أي عدو " 〗لقد أدخلتني هذه الجملة في دوامة حقاً وخرجت بفكرة جوهرية ترتكز على أن ليس هناك عدو للإنسان قد يجعله يتهاون في تحقيق هدفه الذي يطمح له سوى نفسه ... نعم نفسه. ◈--------------------◈ 『 كيف تكون النفس عدو !؟ 』: النفس قد تتحول إلى أكبر عدو للإنسان إذا استسلم لها فهي التي تزرع الشك وتُضعف العزيمة وتُغري بالكسل أو الذنوب، لكن في الوقت نفسه النفس هي الميدان الأول للجهاد كما قال النبي ﷺ: «المجاهد من جاهد نفسه في الله». فالعدو الخارجي قد يُقهر بقوة أو سلاح أو خطة أما النفس فهي تلازمك ليلًا ونهارًا ولا سبيل للانتصار عليها إلا بـ: المراقبة: أن تراقب خواطرك وأفكارك المحاسبة: أن تحاسب نفسك بصدق على أفعالك المجاهدة: أن تلزمها بما ينفع ولو خالفت رغبتها التزكية: بالعلم والإيمان والذكر والعمل الصالح إذا روّض الإنسان نفسه وأحسن توجيهها صارت أقوى معينٍ له بدل أن تكون خصمًا. فلا تجعل نفسك تقف حجر عثرة أمام مسيرتك ولا تمنحها فرصة أن تتحول من معين لك إلى خصم يعيقك واعلم أن كل عدو خارجي قد تهزمه بالحيلة أو الصبر أو القوة، لكن عدوك الداخلي لا يُهزم إلا بالوعي والإيمان والثقة بأنك خُلقت لتكون شيئاً عظيماً، فواجه نفسك أولاً تُصبح مواجهة أي عدو آخر أيسر بكثير. #مقال_C4
5