Fresh @FreshMan ·
في هذا الكون الذي تُسمِّيه الجماهير “عالم المانجا”، والذي تتزاحم فيه الفصول كما تتزاحم الأعمار على هامش الزمن، نرى أعمالًا تمتد مئة فصلٍ ومئتين، بل تزيد حتى ليخال القارئ أنه أمام سيرة أمة لا قصة بطل؛ ثم إذا قلبت صفحاتها لم تجد إلا صدى الضجيج، ولا رأيت إلا زخرفًا يُزيّنه حبُّ الناس لأنميٍّ أُخرج عنها، لا لجوهر الحكاية في ذاتها. هكذا يُصفَّق لأعمالٍ مثل Kimetsu no Yaiba و Tokyo Revengers، لا لأن السرد فيها بلغ الكمال، ولكن لأن الصورة تحرّكت على الشاشة فاستيقظت القلوب مع الموسيقى، لا مع المعنى. غير أنني اليوم لا أتكلم عن تلك المجلدات الطوال، بل عن عملٍ وحيدٍ كأنه قبسٌ من نارٍ خاطفة، فصلٌ واحدٌ لا غير، ثم هو مع ذلك يُغلق ملفَّ مئات الفصول بجرأة لا تُجاريها الجرأة، ويضع خاتمةً حيث عجز غيره عن وضع بداية. أتحدث عن مانجا Look Back؛ تلك التي كتبها ورسمها تاتسوكي فوجيموتو، فجعل من صفحةٍ واحدةٍ عالَمًا، ومن لحظةٍ واحدةٍ عمرًا. هي قصة طفلةٍ صغيرة، لا تملك من السلاح إلا قلمًا، ولا من الطموح إلا نارًا صغيرةً تشتعل في صدرها كلما سمعت همسًا في الفصل عن طالبةٍ أخرى “ترسم أفضل منها”. كان رسمها في أول الأمر كأنما خرج من يدٍ لم تعرف الطريق إلى الخط المستقيم، ومع ذلك كان في قلبها خطٌّ مستقيمٌ لا ينحني: أن تكون رسامةً عظيمة. فمضت تتعلم، لا تُبالي بضحكٍ ولا بملامٍ، تسهر الليالي كأنها تُحاور الورق وتُخاصم الظل، حتى انقلب ضعفها قوةً، وصار الناس ينظرون إلى لوحاتها كما يُنظر إلى معجزةٍ صغيرة. قيل لها إن الرسم للكبار، وإن الطفولة أحقُّ بها من هذه الأحلام الثقيلة؛ وقيل إنها تُرهق نفسها بما ليس لها. لكن النفس إذا ذاقت معنى الرسالة لم تعد تقنع باللعب، وإذا رأت لنفسها قدرًا لم ترضَ أن تعيش في قفص النصيحة. حتى أهلها خافوا عليها من عزلتها، غير أنها كانت ترى في غرفتها وطنًا، وفي الورق سماءً، وفي القلم طريقًا لا نهاية له. ثم تأتي اللحظة التي تتبدل فيها الحياة من عادةٍ إلى قدر. تُرسَل برسالةٍ إلى طالبةٍ منعزلة، فتجد على جدار الممر لوحاتٍ صامتةً تصرخ بالفن. ترمي الرسالة وتمضي، ولكن الرسالة الحقيقية كانت قد كُتبت في قلبها. تلك الطالبة لم تكن خصمًا، بل كانت ظلًا آخر لحلمها؛ ومن الظلّين تولد صداقةٌ كأنها وعدٌ بين روحين. عملتا معًا، ليلًا ونهارًا، حتى صار التعب لذّةً، والجهد نشيدًا خفيًا لا يسمعه إلا من عرف معنى الشغف. دخلتا مسابقة، فجاء المركز الثالث عشر، لا أولًا ولا أخيرًا؛ ومع ذلك كان عندهما بمنزلة التاج، لأن الاعتراف الأول أشبه بمفتاحٍ يفتح باب العالم. خرجتا إلى المدينة، إلى السينما والمكتبة والشوارع، تمشيان وفي قلبيهما اتساع البحر، كأن الشهرة لم تكن مالًا، بل شهادةَ وجود. ثم يطرق الباب عرضٌ من شركة نشرٍ كبرى، فتُفتح أمام البطلة أبواب التسلسل والانتشار، ويُعرض عليها أن تصير اسمًا يتردد خارج اليابان، وهي بعدُ في السابعة عشرة. هنا تبدأ المفارقة؛ فالشريكة تريد أن تلتحق بكلية الفنون، أن تمشي وحدها، لا في ظل صديقتها. بين الطموح والحرية خيطٌ رفيع، وإذا انقطع الخيط انقسم الطريق. تفترقان، وكلٌّ منهما تحمل في قلبها للآخرة دعاءً لا يُقال. تمضي البطلة في طريقها، تُراكم الفصول كما يُراكم البحر أمواجه، وتكتب حتى يصير التعب جزءًا من جلدها. ثم يأتي اللقاء العابر، كأن القدر أراد أن يطمئن القلب قبل العاصفة. تعترف الصديقة بحلمها أن تكون فنانةً عالمية، ويتعاهدان على أن يكون الغد أجمل. غير أن الغد كان يحمل وجهًا آخر. يأتي خبر القتل كالصاعقة؛ تُقتل الصديقة على يد مجهول، فينقلب العالم من لوحةٍ ملونةٍ إلى صفحةٍ بيضاء لا تحتمل النظر. تذهب البطلة إلى بيتها، إلى الذكريات، إلى ذلك الممر الذي بدأت فيه الحكاية، وتلوم نفسها؛ أكانت هي من أوقظت الحلم؟ أكانت هي من دفعت بها إلى الطريق الذي انتهى هناك؟ بين الفن والذنب مسافةٌ لا تُقاس، لكنها تُحسّ كأنها هاوية. هنا تبلغ القصة ذروتها؛ إذ لا يعود السؤال: من الأفضل رسمًا؟ بل: لماذا نرسم أصلًا؟ ألنكتب أسماءنا فوق الغياب؟ ألنُبقي شيئًا منا بعد أن يأخذ الموت حصته؟ تعود البطلة إلى القلم، لا لأن الألم زال، بل لأن الألم صار حبرًا. تكتب وترسم، كأنها تقول لصديقتها: لم يمت الحلم، بل انتقل. هذه مانجا في فصلٍ واحد، لكنها تُقيم في النفس مدينةً كاملة. ليست بطول الفصول يُقاس العمق، ولا بكثرة المجلدات يُوزن الإبداع. وبعض القراء، ممن لا يعرفون من المانجا إلا ما تحمله الاستوديوهات إلى الشاشة، يظنون أن الضجيج دليل القيمة، وأن الشهرة حجة الجودة؛ وما علموا أن الفن الحقّ قد يأتي في صفحةٍ واحدة، فيضيق به صدر من تعوّد الاتساع الفارغ. وأنا إذ أنصح بقراءة هذا العمل، لا أنصح بفصلٍ يُقرأ، بل بتجربةٍ تُعاش؛ ففي Look Back معنى للكتابة، ومعنى للفقد، ومعنى لأن يكون الإنسان فنانًا رغم هشاشته. هي قصة عن الرسم، نعم؛ لكنها في حقيقتها قصة عن الصداقة، عن الذنب، عن النجاة بالحبر حين يعجز القلب. هكذا يكون العمل العظيم: قليل الصفحات، عظيم الأثر؛ قصير المسافة، بعيد الصدى.
3