المجتمع
هناك شعورٌ يزورنا أحيانًا بلا موعد… لا هو حزنٌ صريح، ولا هو فرحٌ واضح، ولا حتى خوفٌ يمكن أن نُمسك به ونسميه. شعورٌ يشبه الوقوف في منتصف الطريق؛ لا نحن عدنا كما كنا، ولا نحن وصلنا إلى ما نريد أن نصبحه. كأن الروح تنفصل قليلًا عن الجسد لتراقبه من بعيد، وتسأل: من أنا الآن؟ هذا الشعور الغريب يشبه لحظة الغروب؛ حين لا يكون النهار نهارًا كاملًا، ولا الليل ليلًا تامًا. لحظة انتقالية، لكن داخل النفس. نُحسّ أن شيئًا تغيّر، دون أن نعرف ماذا. نضحك مع الآخرين، لكن في أعماقنا مساحة صامتة لا يصلها أحد. مساحة لا تُعبّر عن نفسها بالكلمات، بل بإحساس ثقيل خفيف في آنٍ واحد. ربما هو وعيٌ مفاجئ بثقل الوجود. أن تدرك أنك تكبر، أن الوقت يمضي، أن بعض الأشياء لن تعود كما كانت. أن تفهم فجأة أن الأشخاص الذين أحببتهم قد يتغيرون، وأنك أنت نفسك لست النسخة التي كنتها بالأمس. في تلك اللحظة، يصبح كل شيء مألوفًا وغريبًا في نفس الوقت؛ غرفتك، صوتك، حتى وجهك في المرآة. هذا الشعور ليس ضعفًا، بل علامة حساسية عالية للحياة. هو دليل أن روحك تفكر، تبحث، وتحاول أن تفهم. إنه صراع صامت بين ما تعيشه وما تتمناه، بين الواقع وصورتك المثالية عنه. أحيانًا يأتي بعد مشاهدة مشهد مؤثر، أو بعد حديث عابر، أو حتى دون سبب واضح… كأن العقل قرر أن يفتح بابًا قديمًا دون إذن. والأغرب من الشعور نفسه، هو عجز اللغة عن وصفه. تحاول أن تقول: “أنا بخير… لكن ليس تمامًا”. تحاول أن تبتسم، لأنك لا تملك تفسيرًا مقنعًا لما في داخلك. فتكتفي بالصمت، لأن الصمت أصدق من ألف جملة ناقصة. ربما هذا الشعور هو دعوة للتأمل. أن تجلس مع نفسك قليلًا، بلا هاتف، بلا ضجيج، وتسأل: ماذا أريد حقًا؟ ممّ أهرب؟ ماذا ينقصني؟ هو لحظة صدق نادرة، حين تنكشف لك بعض الحقائق الصغيرة عن نفسك. الشعور الغريب ليس عدوًا، بل رسالة. رسالة تقول إنك إنسان، وإن داخلك عالَمًا أعمق مما تظن. قد يؤلم أحيانًا، لكنه يوقظك. وقد يُربكك، لكنه يُنضجك. ففي النهاية، أغرب المشاعر هي التي تُعلّمنا أكثر، لأنها تجبرنا على النظر إلى الداخل… وهناك، تبدأ الحكاية الحقيقية. #CORELIGHT
17