غَسَق ネ
@iji ·
كان اسمه نـاصر
ولم ينصره أحد.
وُلد في ليلةٍ بلا قمر، في كوخٍ من طين على أطراف القرية، وأول ما سمعه في الحياة لم يكن بكاءه، بل أنين أمّه وهي تنزف بعد ولادته، تنزف بصمت كي لا يسمعها أحد، لأن الفقراء لا يملكون حق الصراخ.
كبر ناصر وهو يرى الدم قبل أن يعرف معنى اللعب.
كان يرى الدم يسيل من يد أبيه كل مساء، لا لأنه مجرم… بل لأنه يعمل في أرض ليست له.
كل خطأٍ بسيط، كل تأخير، كل نظرة لم تعجب السيّد، كانت تُدفع بالجلد والعصا.
وفي يومٍ أسود…
عاد الأب محمولًا على الأكتاف، لا يتحرك، ودمه يسيل من رأسه كأنه نهر صغير،
قالوا:
“تعثّر وسقط”
لكن آثار السياط على ظهره كانت أصدق من كل الكلام.
مات الأب…
وبقي الظلم حيًّا.
أمّه…
امرأة نحيلة، لكن قلبها أوسع من الألم نفسه.
عملت ليلًا ونهارًا، تُهان، تُكسر، تُداس كأنها لا تُرى.
وفي كل ليلة كانت تضم ناصر وتهمس:
“اصبر… ربك ما ينسى.”
لكن الناس تنسى…
والظلم يتذكّر.
كبر ناصر، وصار شابًا بعينين غارقتين في الحزن.
وفي يومٍ لم يكن له، اتُّهم بسرقة لم يرتكبها.
لم يسأله أحد،
لم يسمعوا صوته،
فصوت الفقير لا يصل.
أمسكوه،
جرّوه في الطرقات،
ضربوه حتى صار الدم يسبق خطاه.
حتى لم يعد يعرف:
هل هذا جسده… أم بقاياه؟
أمّه ركضت خلفهم،
تصرخ، تتوسل،
فضربوها…
سقطت،
والدم يسيل من جبينها.
نظر ناصر إليها،
وكان ذلك آخر مشهد حفرته الحياة في قلبه.
في السجن…
لم يكن مكانًا،
كان كسرًا متواصلًا.
جلد، إهانة، صراخ،
ولم يكن ذنبه إلا أنه ضعيف.
وفي ليلةٍ باردة،
دخل السجّان،
ابتسم،
وقال:
“أمك ماتت.”
لم يبكِ ناصر.
بعض الأحزان لا تخرج دموعًا…
تخرج موتًا بطيئًا.
خرج بعد شهور،
لا حكم براءة،
ولا اعتذار،
ولا حتى نظرة ندم.
عاد للكوخ،
فوجده فارغًا،
كأن الحياة مرّت من هنا ومسحت أثرها.
جلس وحده،
والدم اليابس ما زال على يديه،
ليس دم غيره…
بل دمه الذي سُفك بلا سبب.
وفي الفجر،
وجدوه ممددًا،
عروق يديه مفتوحة،
والدم يسيل بهدوء،
كأنه تعب من الصبر.
وبجانبه ورقة كتب فيها:
“لم أكن مذنبًا…
كنت ضعيفًا فقط.”
#روايات #قصص

6


