Communauté
رواية (معانات سليم) ولد سليم في بيت طيني صغير عند أطراف قرية نائية لم تكن تعرف الفرح إلا زائرا عابرا كان البيت فقيرا لكنه دافئ لأن فيه أما تعرف كيف تخفي الجوع بالحب وأبا كان صوته يمنح الأمان لم يكن سليم يدرك أن بعض الآباء يرحلون دون أن يموتوا وأن الغياب أحيانا يكون اختيارا لا قدرا في ليلة باردة حمل الأب متاعه القليل اقترب من فراش ابنه النائم ولم يوقظه قبل رأسه وهمس بكلمات لم يسمعها أحد ثم قال لزوجته سأعود حين أجد الرزق ومضى ومنذ تلك الليلة صار الباب يعرف الانتظار أكثر مما يعرف الطرق كبر سليم وهو يرى أمه تذبل ببطء كانت تعمل نهارا وتخيط ليلا وتبتسم دائما كانت تقول له أبوك سيعود وكانت كل مرة تقولها أضعف من التي قبلها وحين مرضت لم تجد دواء سوى الصبر وحين ماتت لم تجد من يدفنها غير ابنها حفر سليم قبرها بيديه كان التراب ثقيلا والرأس أخف من أن يحتمل ما فيه لم يبك كثيرا لأن البكاء يحتاج كتفا يستند عليه وبعد دفنها عاد إلى بيت صار فجأة بلا معنى خرج يبحث عن عمل عن حياة عن أي شيء يقوده بعيدا عن ذلك الفراغ فصادف رجالا وعدوه بالرزق لم يعرف أن الجائع لا يملك رفاهية الشك وفي ليلة واحدة أغلق الباب وسحبت السلاسل وسقط الاسم وصار عبدا مرت عليه سنوات وهو يعمل من الفجر حتى الليل يحمل الأثقال وينام على الأرض ويتعلم أن الصمت نجاة وأن الألم لا يشتكى لم يكن له اسم ولا صوت فقط جسد يعمل وروح تنكمش نقل يوما إلى مزرعة واسعة خضراء فيها بيت كبير وأطفال يضحكون وامرأة تبتسم ورجل يجلس بينهم بثوب نظيف وحين وقعت عينا سليم عليه توقف الزمن عرف الملامح عرف الانحناءة عرف الضحكة ذلك الرجل كان أباه كان الأب حيا ليس فقط حيا بل مستقرا سعيدا له أسرة جديدة وأبناء لم يعرفوا الجوع ولم ينتظروا أحدا أما سليم فوقف بعيدا يراقب حياة لم تكن له لم يعرفه الأب مر به كأنه يرى خادما عاديا أما تلك النظرة العابرة فكانت أقسى من كل ما ذاقه من ضرب وذل عمل سليم تحت نظر أبيه يحمل الماء وينظف الأرض ويطعم الخيل وكلما اقترب منه ازداد شعوره بالاختناق كان يتساءل كيف يستطيع الإنسان أن يعيش حياة كاملة وينسى دما خرج منه مرض ذات ليلة وسقط مغشيا عليه فاستدعوا صاحب المزرعة نظر الأب إليه طويلا شعر بشيء يشد ذاكرته لكنه تجاهله وقال عالجوه لا نريد خسارة عبد تعافى وعاد للعمل كان يرى أبناء أبيه يضحكون أحرارا وكان يسأل نفسه أي ذنب ارتكبت لأكون هنا وهم هناك في ليلة استدعاه الأب وسأله عن اسمه قال سليم ارتجف الرجل سأل من أين أنت قال من قرية تركها رجل ولم يعد فهم الأب كل شيء سقط صمته قبل جسده قال كنت ضعيفا قال سليم وأنا كنت ابنك حاول الأب الاعتذار حاول التعويض عرض الحرية والمال والبيت لكن بعض السنوات لا تعود قال سليم أمي ماتت تنتظرك وأنا عشت عبدا وأنت كنت أبا لغيري في الصباح رحل سليم لم يأخذ شيئا لا مالا ولا اسما ولا اعترافا ترك أباه حيا لكنه مثقلا بذنب لا يموت بعد سنوات وجدوا رجلا مات وحيدا في طريق بعيد قالوا كان حرا لكنه لم يعرف أين يذهب أما الأب فبقي حيا بين أسرته لكنه كل ليلة يسمع صوتا يقول بعض الآباء لا يقتلون أبناءهم بل يتركونهم أحياء بما يكفي ليعانوا
6