قصة سالم والدته في أقصى أطراف القرية، حيث ينتهي الطريق ويبتدئ الصمت، كان يقوم بيتٌ طينيٌّ صغير، تحيط به شجرة توتٍ هرِمة، ذابلة الأغصان. في ذلك البيت سكنت أمٌّ أنهكها العمر، غير أنّ عينيها ظلّتا معلّقتين بالباب، كأنّ الزمن توقّف عند لحظةٍ واحدة لا تتحرّك. قبل سبع سنوات، خرج ابنها سالم في صباحٍ بارد، قبّل رأس أمّه وقال مبتسمًا: «لا تقلقي يا أمّي، سأعود سريعًا». ابتسمت له، ولم تكن تدري أنّ تلك الكلمات ستكون آخر ما تسمعه من صوته. منذ ذلك اليوم، لم يعد سالم. لم يصل خبر، ولم تأتِ رسالة، ولم تُنقذ قلبها إشاعةٌ عابرة. كانت تستيقظ قبيل الفجر، تنظّف البيت الصغير بعناية، وتضع طبقًا زائدًا على المائدة، ثم تجلس قرب النافذة تراقب الطريق الطويل. كلّ خطوةٍ بعيدة كانت تبعث في قلبها أملًا كاذبًا، وكل مساءٍ ينقضي بلا عودة كان يقتطع من روحها قطعةً صامتة. تغيّرت القرية، كبر الأطفال، ورحلت وجوه وجاءت أخرى، أمّا هي فبقيت أسيرة الانتظار، تعيش على وعدٍ لم يتحقّق. حين اشتدّ الشتاء، أثقل المرض جسدها، ووهن صوتها حتى صار همسًا. ومع ذلك، كانت ترفض أن يُغلق الباب، وتقول لمن يزورها: «إن عاد ولم يجد الباب مفتوحًا، ظنّ أنّي يئست منه». وفي ليلةٍ باردة، جلست قرب المصباح، تخاطب ابنها الغائب بصوتٍ مرتجف، تشكو إليه تعب السنين، وتحدّثه عن وحدتها، ثم همست: «إن تأخّرت، فقد سامحتك، ولكن عد». مع انبلاج الفجر، انطفأ المصباح، وسكن البيت. دخل الجيران فوجدوا الأمّ ممدّدة على فراشها، يدها ممدودة نحو الباب، وعلى وجهها دمعةٌ يابسة، وملامح انتظارٍ لم يكتمل. وبعد أيامٍ قليلة، وصل الخبر المتأخّر: كان سالم قد مات منذ سنواتٍ في طريقٍ بعيد، ودُفن بلا اسم. أُغلق البيت، وساد الصمت، وبقي الباب شاهدًا على انتظارٍ طال. وكأنّ القرية كلّها أدركت متأخّرة… أنّ بعض الغياب لا يُداويه الزمن، وأنّ بعض الانتظار لا ينتهي بالعودة، بل بالموت.
12