غَسَق ネ
@iji ·
كان عازف الوتار الوحيد على الجزيرة، لا لأن الناس قلّوا، بل لأن الصمت كان سيّد المكان.
جزيرة بعيدة، يلفّها الضباب عند الفجر، وتصافحها الأمواج كأنها تعرف أسرارها واحدًا واحدًا. هناك، عند شجرة سروٍ مائلة نحو البحر، كان يجلس كل مساء ويضع الوتَر على ركبته، يعزف كأنّه يحدّث قلبًا لا يُرى.
لم يكن له اسمٌ يتداوله الناس؛ كانوا يقولون: “صوت الجزيرة”.
كل نغمة يطلقها تحمل حكاية: فراق صيّاد لم يعد، انتظار أمٍّ على الشاطئ، أو فرحٍ قصير مرّ ثم غاب. الوتر الواحد كان يكفيه، لأن قلبه كان ممتلئًا بما لا تُحصيه الأوتار.
حين تهبّ العاصفة، كان يعزف أهدأ.
وحين يسكن البحر، كان يطيل النغمة حتى تشبه الدعاء. يقولون إن الطيور كانت تغيّر مسارها لتسمعه، وإن الأمواج تخفّ حدّتها إذا بدأ العزف، كأن البحر يخجل أن يعلو صوته فوق صوته.
سأله طفلٌ ذات يوم:
— لماذا تعزف وحدك؟
ابتسم وقال:
— لأن الجزيرة إذا كثُر صوتها، ضاعت حكايتها.
وفي ليلةٍ مقمرة، عزف لحنًا لم يسمعه أحد من قبل. كان أطول، أعمق، كأنه وداع. مع آخر نغمة، سكت الوتر، وسكن البحر. وفي الصباح لم يجدوه.
لكنهم أقسموا أن الجزيرة، منذ تلك الليلة، صارت تغنّي وحدها…
وأن كل من يقف عند الشاطئ يسمع وترًا خفيًّا، يعزف لمن يعرف كيف يصغي.
عازفُ الوتارِ إن غابَ الاسمُ وانطوى
يبقى صداكَ حديثَ البحرِ والسُّهَرِ
#روايات_وقصص

19



