Topluluk
ثم إن الملك أتى مجلسه فقعد على سريره وأرسل إلى أصحابه فأتوه فموّلهم وأغناهم. ثم جمع عمّاله وأهل الفضل وذوي الرأي من أهل مملكته فقال: أما أصحابي فقد استيقنوا أن الذي رزقهم الله من الخير إنما كان بما أتوه بفضل عقلهم وجمالهم ونشاطهم. وأما أنا فإن الذي منحني الله وهيّأه لي لم يكن من الجمال ولا العقل ولا الاجتهاد وإنما كان يحكمه تعالى وقضائه. وما كنت أرجو إذ طردني أخي وجفاني أن أصيب هذه المنزلة ولا أكون بها لأني قد رأيت من أهل هذه الأرض من هو أفضل مني جمالاً وحسناً وعلمت أن فيها من هو أكمل مني رأياً وأشد مني اجتهاداً. فساقني الله وقضاؤه إلى أن اغتربت فملكت أمراً قد علمه الله وقدّره وقد كنت راضياً أن أعيش بحال خشونة وشظف معيشة. فقام شيخ كان في أرضهم فقال: أيها الملك إنك قد تكلمت بحلم وعقل ورأي حسن ظناً بك ورجاؤنا فيك وعرفنا ما ذكرت وصدّقناك بما وصفت وعلمنا أنك قد كنت لما ساق الله إليك من ذاك أهلاً بفضل قسمته عندك وتتابع نعمته عليك. فإن أسعد الناس في الدنيا والآخرة أولاهما بالسرور فيها من رزقه الله ما رزقك وجعل عنده مثل الذي جعل عندك. وقد أرانا الله الذي نحب إذ ملّكك علينا وقلّدك أمرنا فنحمد الله على ما أكرمنا به من ذلك وامتنّ علينا فيه. ثم قام شيخ آخر فحمد الله وأثنى عليه ومجّده وذكر آلاءه وقال: إيها الملك إني قد كنت وأنا غلام قبل أن أسيح في الأرض أخدم رجلاً من الناس. فلما بدا لي أن أرفض الدنيا فارقته. وقد كان أعطاني من أجرتي دينارين فأردت أن أتصدّق بأحدهما وأستنفق الآخر، فقلت: أليس أعظم لآخرتي أن أشتري نفساً بدينار فأعتقها لوجه الله. فأتيت السوق فوجدت مع صياد حمامتين فساومته فطلب بهما دينارين فجهدت على أن يعطيهما بدينار فأبى ذلك فقلت: لعلهما أن يكون زوجين أو أخوين فأخاف إن أعتقت أحدهما أن يموت الآخر. فابتعتهما منه بالثمن الذي سمّى. وأشفقت أن يطيرا مما لقيا من الجهد والهزال. فذهبت بهما إلى مكان كثير الرعي فسرّحتهما فطارا فوقعا على شجرة. ثم شكرا في وسمعت أحدهما يقول للآخر: لقد خلّصنا هذا السائح من البلاء الذي كنا فيه وإنا لخليقان أن نجازيه بفعله. ثم قالا لي: لأنك قد أتيت إلينا بما نحن أهل أن نشكرك به ونعرفه لك فاعلم أن في أصل هذه الشجرة جرة مملوءة دنانير فخذها. فأتيت الشجرة وأنا في شك مما قالا لي، فلم أحفر إلا قليلاً حتى انتهيت إليها فاستخرجتها ودعوت الله لهما بالعافية وقلت لهما: إذا كان عملكما هذا العلم بما تحت الأرض وأنتما تطيران بين السماء والأرض فكيف وقعتما في هذه الورطة التي أنجيتكما منها؟ قالا: أما تعلم أيها العاقل أن القدر إذا نزل أغشى البصر. والقدر يغلب كل شيء ولا يستطيع أحد أن يجاوزه. ثم قال الفيلسوف للملك: ليعرف أهل النظر أن الأمور والعلم بها أن الأشياء كلها بقضاء #1D @1D
9