Topluluk
--- الجزء الثاني: فحيح الظلال سكونٌ غريب ساد الغابة بعد صدمة اللقاء، لكن رُؤى لم تكن مرتاحة... الهواء نفسه كان يحمل نغمة تهديد خفي. شعرت بها في جلدها، في أنفاسها، في الصمت العالق بين الأشجار. ثم جاء الصوت… فحيح، كأن شيئًا يزحف تحت الأرض، أو في أعماق الأشجار. تلفّتت حولها بذعر، وارتجف جسدها رغم المطر والبرد، لكن الرجل الواقف أمامها لم يتحرّك. عيناه كانتا مسمّرتين في اتجاه واحد، يراقب، يستمع… ينتظر. وفجأة، ظهر الكائن. من بين الأشجار، انسلّ مخلوق مشوّه، كأن الظلال لبسته وصنعت منه وحشًا. أنيابه لامعة، جسده ممدود وغريب، وعيونه تتوهج بلونٍ لا ينتمي لعالم البشر. تراجعت رُؤى فورًا، شهقت رغماً عنها، ووقع نظرها على الرجل. كان لا يزال واقفًا… لكن شيء ما فيه تغيّر. بهدوء، خلع سترته السوداء، ورمتها الريح خلفه. عضلاته انقبضت، ظهره تقوّس، وصوت خافت خرج من صدره. ثم رأته يتحوّل. عظامه تكسّرت داخله، جلده تشقّق، وفجأة… وقف أمامها وحشٌ شبيه بأسد، لكن واقف على قدمين، بعيون باردة لا تحمل أي ملامح بشرية. ركض نحو الكائن، وهجم عليه بقوة لا توصف. الضربات كانت وحشية، مخالب تمزّق، وزئير يهزّ الغابة. كان المشهد دمويًا، مرعبًا، كأن الطبيعة نفسها تراجعت خطوة للوراء. رُؤى تجمدت مكانها. أرادت أن تصرخ، أن تهرب، أن تفعل أي شيء… لكنها لم تستطع. كل ما كانت تراه هو مخلوقان يتقاتلان حتى الموت، أحدهما… كان من أنقذها. وبعد دقائق بدت كأنها دهر، سقط الكائن في الأرض ميتًا، وقد تمزّق جسده بالكامل. وقف الأسد في مكانه، صدره يرتفع وينخفض بثقل. الدماء تغطي مخالبه، وعيناه تتأمل الجثة بصمت. ثم استدار نحو رُؤى. في تلك اللحظة، شعرت برعب حقيقي. هذا الكائن… لا يشبه البشر. ولا يمكن الوثوق به. لكنّه لم يقترب منها. بل بدأ يعود لطبيعته شيئًا فشيئًا، يتحول من الأسد المخيف… إلى الرجل الأول نفسه، لكن ملامحه الآن قاسية، جامدة، وصوته حين تكلّم، لم يحمل أي دفء: "إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة، تعالي. قبل أن يأتي غيره." لم تنتظر لتسأله من هو أو ما الذي يحدث، فقط سارت خلفه بصمت، نظراتها معلّقة على الأرض، وجسدها يرتجف. قادها خلال الغابة حتى وصلا إلى كوخٍ خشبيّ صغير، مخفيّ بين الأشجار. فتح الباب، ودخل دون أن ينظر إليها. قال ببرود: "ادخلي. الليل لم ينتهِ بعد." وبينما كانت تخطو داخله، كانت تعلم شيئًا واحدًا فقط: أنها دخلت عالماً… لن تكون فيه كما كانت. ---
7