رؤى الليل🌙
@aeeme ·
---
الجزء الأول: اللقاء تحت صاعقة القدر
كانت السماء تمطر دون رحمة، والرياح تعصف كأنها تُنذر بشيء قادم. خطواتها كانت متعثّرة، وملابسها مبتلّة بالكامل، لكنها لم تتوقف… كانت تركض، تهرب من كل شيء: من ذكرياتها، من ماضيها، من الوجوه التي كانت تبتسم لها ثم تطعنها من الخلف.
رُؤى الليل، تلك الفتاة التي لم تكن يومًا ضعيفة، كانت في تلك الليلة أضعف ما تكون. لم تكن تعلم إلى أين تأخذها قدماها، لكنها واصلت الهرب حتى ابتلعتها الغابة.
الغابة… موحشة، كثيفة، لا يعرف أحد عمقها الحقيقي، وكأنها عالمٌ آخر، منفصل عن هذا العالم الصاخب.
توقّفت فجأة تلتقط أنفاسها، تنظر حولها كمن فُقدت في مكان لا يعرف الرحمة. ثم جاء البرق… صعقة أضاءت السماء لحظة، وكشفت لها ما لم تتوقعه.
عينان ذهبيتان تلمعان في الظلام… وصوت أنفاسٍ عميقٍ يخرج من بين الأشجار.
تراجعت خطوة إلى الوراء، وقلبها يكاد يخرج من بين أضلاعها.
ثم خرج من الظلال... ضخم، قوي، شعره الكثيف يتناثر مع الريح، وعيناه الثابتتان تغوصان في أعماقها.
كان ليث الأسد.
توقفت أنفاسها، وأرادت أن تصرخ، لكنها لم تفعل… لم تستطع.
وفي اللحظة التي دوّى فيها الرعد، التقت نظراتهما. كانت عيناه مليئتان بالقوة، لكنها كانت ترى خلف تلك النظرة شيئًا آخر… شيئًا لا اسم له.
أما هو… فقد شعر بشيء يضرب قلبه لأول مرة. لم تكن رهبة، ولا فضول… كان إحساسًا غريبًا، ناعمًا ومؤلمًا في آنٍ واحد.
شعر أن هذه الفتاة الهاربة، الضعيفة، الغريبة... ليست غريبة عنه.
اقترب منها ببطء، والقطرات تتساقط على فروه، وصوته العميق ينكسر بهدوء الليل:
"من أنتِ؟ وكيف وصلتِ إلى هنا؟"
نظرت إليه، ولم تجب. كان الخوف يشلّ لسانها، لكن عينيها تكلمت بالنيابة عنها.
ليث، الذي لم يخشَ أحدًا يومًا، وجد نفسه مأخوذًا أمام هذا الصمت… وهذا الوجع المختبئ خلف ملامحها.
ومن تلك اللحظة… لم تعد الغابة كما كانت، ولم يعد هو كما كان.
---
9


