حين اختار الذئب طريقه الأخير 🌕 كم من وجه يستطيع الإنسان أن يرتدي قبل أن ينسى وجهه الحقيقي؟ وكم من قسوة يمكن أن يخفيها قلب واحد قبل أن تنكشف حقيقته؟ لعل أكثر ما يجعل بعض الشخصيات عظيمة أنها لا تمنحنا فرصة للحكم عليها بسهولة، فنحن نراها شريرة حين تؤذينا، ثم نكتشف متأخرين أن خلف شرورها حكاية لم نكن نعرفها وهذا ما كان في أسكيلاد، ذلك الرجل الذي ظهر في البداية كمرتزق لا يعرف سوى الخداع والقتل، رجل يبتسم في وجه أعدائه وكأنه لا يحمل في داخله شيئًا سوى السخرية واللامبالاة. لم يكن يهتم كثيرًا بمن يسقط في طريقه، ولم تكن لديه مشكلة في استخدام أي وسيلة توصله إلى غايته لكن خلف ذلك الوجه القاسي كان هناك طفل لم يمت تمامًا طفل كانت أمه تروي له حكايات ويلز، عن أرض جميلة سُلبت حريتها، وعن شعب يستحق أن يعيش بعيدًا عن أطماع الملوك وجشع الغزاة. كبر أسكيلاد وهو يحمل تلك الحكايات في ذاكرته، وصار ولاؤه لويلز شيئًا لا يستطيع العالم انتزاعه منه، حتى وإن اضطر إلى العيش بين أولئك الذين يحتقرهم كان غريبًا أن يكون أكثر الرجال قسوة هو نفسه أكثرهم تعلقًا بشيء لا يستطيع امتلاكه ثم جاء ثورفين... ذلك الفتى الذي جعل من الانتقام غايته الوحيدة، وظل يرافق قاتل أبيه سنوات طويلة منتظرًا اللحظة التي يستطيع فيها قتله. كان أسكيلاد بالنسبة إليه عدوًا لا يمكن أن ينساه، لكن المفارقة أن الرجل الذي سرق منه طفولته أصبح جزءًا كبيرًا من حياته، وكأن القدر أراد أن يربط مصيرهما بطريقة لم يفهمها أي منهما لم تكن علاقتهما علاقة قائد بجندي فحسب، بل كانت حكاية طفل عالق في ماضيه ورجل يعرف أكثر مما يقول. كان أسكيلاد يرى في ثورفين غضبًا أعمى يلتهم صاحبه، لكنه لم يستطع أو لم يشأ أن يخرجه من ذلك الطريق ومع ظهور الأمير كنوت بدأت جوانب أخرى من أسكيلاد بالظهور. لم يعد الأمر متعلقًا بالمال أو النجاة، بل أصبح يرى أمامه فرصة لتحقيق الحلم الذي حمله منذ طفولته. كان يريد حماية ويلز، حتى لو اضطر إلى التضحية بكل شيء في سبيل ذلك ثم جاءت اللحظة التي اختار فيها نهايته وقف أسكيلاد أمام الملك سوين، وحين أصبحت ويلز مهددة لم يتردد في اتخاذ قراره. قتل الملك وفتح الطريق أمام كنوت، لكنه كان يعرف جيدًا أن ما فعله لن يمر دون ثمن. اختار أن يتحول في أعين الجميع إلى خائن ومجرم، وأن يحمل وحده تبعات قراره ولعل أكثر ما يوجع في تلك اللحظة أنه لم يمت دفاعًا عن نفسه، بل مات دفاعًا عن أرض لم تكن يومًا قادرة على حمايته ثم جاءت النهاية... سقط أسكيلاد أمام الجميع، وبقي ثورفين عاجزًا عن استيعاب أن الرجل الذي عاش سنوات يطارده قد رحل أخيرًا. لم يحصل على المبارزة التي انتظرها، ولم يحصل على الانتقام الذي أفنى عمره من أجله. وكأن أسكيلاد حتى في موته استطاع أن ينتزع منه الشيء الوحيد الذي كان يعيش لأجله رحل أسكيلاد وبقيت كلماته وقراراته تطارد من عرفوه وربما كانت مأساته أنه قضى حياته كلها متظاهرًا بأنه لا ينتمي إلى أحد، بينما كان يحمل في قلبه انتماءً واحدًا لم يستطع التخلي عنه. كان يستطيع خداع الملوك والنجاة من أصعب المواقف، لكنه لم يستطع أن ينسى حكايات أمه ولا الأرض التي أحبها وهكذا انتهت حكاية أسكيلاد لم يكن قديسًا ولم يكن بريئًا من الدماء التي تركها خلفه، لكنه لم يكن أيضًا ذلك الرجل الذي ظنناه في البداية. كان إنسانًا مليئًا بالتناقضات، أخطأ كثيرًا، وأصاب أحيانًا، لكنه ظل حتى لحظته الأخيرة وفيًا لشيء أكبر من حياته ومن يدري؟ لعل الطفل الذي كان يستمع إلى حكايات أمه عن ويلز كان سيبتسم لو عرف أن الرجل الذي أصبح عليه لم ينسَ وعده القديم فبعض الرجال لا يموتون لأنهم خسروا معاركهم، بل لأنهم وجدوا أخيرًا شيئًا يستحق أن يخسروا حياتهم من أجله. (تم استخدام الذكاء الاصطناعي لوضع علامات الترقيم) #محبرة_كاتب / #السديم