أعتقد أن المشكلة ليست في قلة الأفكار بقدر ما هي في الطريقة التي نتعامل بها معها، لدينا تجارب إنسانية مختلفة وبيئات تحمل في تفاصيلها الكثير مما يستحق أن يُروى، ومع ذلك قد ننشغل أحيانا بما قدمه الآخرون إلى درجة ننسى معها أن لدينا ما يستحق التعبير عنه أيضا، أنا لا أرى أن التأثر بالمانجا اليابانية عيب ولا أعتقد أن على المؤلف أن يبتعد عن كل ما سبقه حتى يكون مبدعا، لكنني أؤمن بأن الفن يفقد جزءا من قيمته حين يتحول إلى محاولة مستمرة لاستنساخ تجربة شخص آخر، فليس المهم أن تكتب قصة تشبه القصص التي تحبها، بل أن تعرف لماذا تريد كتابتها، وما الذي تستطيع إضافته إليها من نفسك.
أنا شخصيا متأثر بتاتسكي فوجيموتو وأجد في أعماله ما يدفعني إلى التفكير في إمكانات السرد وفي الطريقة التي يمكن بها للأفكار الغريبة والمشاعر الإنسانية أن تجتمع داخل قصة واحدة، كما أنني أتأثر بصناعة المانجا عموما، من بناء الشخصيات إلى تكوين الصفحات وتوظيف المنظور والظلال لخدمة المشهد، لكنني لا أريد أن ينتهي بي هذا التأثر إلى تقليد فوجيموتو أو غيره، ف أريد أن أفهم ما الذي يجعل أعمالهم مميزة ثم أستخدم ما أتعلمه لبناء لغتي الفنية الخاصة، أريد أن يكون للرسم عندي دور يتجاوز إظهار الأحداث وأن يخدم التكوين والإضاءة وزوايا الرؤية الحالة النفسية للشخصيات، وأن تكون لكل صفحة وظيفة شعورية وسردية، أريد أن أكتب عن الإنسان وتناقضاته، وعن أفكاره ومبادئه وكيف تتغير تحت تأثير رغباته وتجربته مع العالم، لا أريد أن أفرض على القارئ عبرة جاهزة، بل أن أضعه أمام مواقف تجعله يعيد النظر في أحكامه، وأن أترك له مساحة للتفكير حتى بعد انتهاء القصة.
لهذا، لا أطمح إلى أن أصبح مؤلفا يشبه من أعجب بهم، أريد أن أصبح مؤلفا يستطيع أن يتعلم منهم دون أن يفقد رؤيته الخاصة، أريد أن أستخرج من اللحظات الصغيرة والمعاني التي قد تبدو عادية مادة فنية تحمل شيئا من نظرتي إلى الحياة، وأن أجعل القصة مؤثرة لا لأنها تحاول إبهار القارئ باستمرار، لأنها تفهم شيئا حقيقيا عن الإنسان وتعرف كيف تجعله يشعر به، وأعتقد أن هويتنا الفنية لا تُبنى بمجرد اختيار أسلوب رسم مختلف أو ابتكار حبكة غريبة، بل تتشكل من مجموع اختياراتنا ومن الأشياء التي نلاحظها ولا يلاحظها غيرنا، ومن الأسئلة التي نعود إليها باستمرار، ومن الطريقة التي نحول بها أفكارنا إلى صور ومشاهد وشخصيات، في النهاية أريد أن أصل إلى مرحلة لا يحتاج فيها القارئ إلى معرفة اسمي حتى يشعر بأن العمل يحمل بصمتي، لا لأنني كررت أسلوبا بعينه حتى أصبح مألوفا، بل لأنني امتلكت نظرة خاصة إلى العالم استطعت أن أحولها إلى فن. وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي لأي مؤلف: ألا يكتفي بصناعة قصة جيدة، بل أن يكتشف ما الذي يجعل هذه القصة جديرة بأن تُروى على يده هو بالذات.
#فلسفة