Topluluk
*‏حين تضيع الأولويات… يكبر ما لا يستحق* ‏من الدروس التي تكشفها الحياة أن كثيرًا من التشنج لا يأتي من قوة المبدأ، بل من غياب ترتيب الأولويات. فحين لا يعرف الإنسان ما المهم وما الأهم، يبدأ في منح الأشياء أحجامًا لا تستحقها، ويعامل القضايا العابرة كأنها مسائل مصيرية، ويتعامل مع الاختلاف البسيط كأنه تهديد مباشر له. وهنا لا تعود المشكلة في الفكرة نفسها، بل في المكانة التي منحها لها داخل نفسه. ‏ترتيب الأولويات ليس كلامًا نظريًا، بل مهارة عملية تحمي الإنسان من استنزاف طاقته في غير محلها. هناك أمور تستحق الغضب، وأمور تستحق النقاش، وأمور تستحق التجاهل. لكن حين يغيب هذا الوعي، تجد شخصًا يتساهل في أمور تمس دينه، وأخلاقه، وعلاقاته، وكرامته، ثم يتشنج بشدة من أجل لاعب أو فريق لا يربطه به دين، ولا ثقافة، ولا معرفة شخصية، ولا أثر حقيقي في حياته سوى المتعة المؤقتة. ‏ولعل ما نراه في بعض أجواء كأس العالم مثال واضح على ذلك. حب كرة القدم أمر جميل، والاستمتاع بالمباريات، وتشجيع فريق أو لاعب، والدخول في نقاشات رياضية خفيفة؛ كل ذلك لا مشكلة فيه. المشكلة تبدأ حين تتحول المتعة إلى تعصب، وحين يصبح اللاعب الذي لا يعرفك سببًا في شتم من يعرفك، أو خسارة صديق، أو احتقار شعب، أو التشنج في نقاش لا يضيف لحياتك شيئًا. ‏وهنا يجب أن نكون منصفين؛ ليس المطلوب أن نعيش بلا حماس، ولا أن نقتل متعة الأشياء البسيطة. الإنسان يحتاج إلى الترفيه، وإلى مساحات يفرح فيها، وينتمي لها، ويتفاعل معها. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تستمتع بشيء، وأن تسمح له بأن يبتلع وعيك. المتعة حين تبقى في حجمها تكون جميلة، لكنها حين تتجاوز مكانها تتحول إلى صورة مزعجة ومنفّرة. ‏لذلك، راقب الأشياء التي تجعلك تفقد اتزانك. اسأل نفسك: هل هذا الأمر يستحق فعلًا كل هذا الغضب؟ هل سيغير شيئًا في حياتي؟ هل خسارة علاقتي أو هدوئي أو أخلاقي من أجله منطقية؟ فالناضج لا يُقاس فقط بما يحب، بل بقدرته على وضع ما يحب في حجمه الصحيح. ومن عرف قيمة الأشياء، لم يجعل الصغير كبيرًا، ولم يمنح العابر مكانة الثابت. #كتابات_Arcadia #Arcadia